فقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هؤلاء يخرجون من النار بعد العذاب فيها، ولا يكون هذا العذاب إلا على معصية موجبة له، ومع ذلك لم يخرجوا من دين الله تعالى بالكلية بدليل إدخالهم الجنة بعد ذلك.
فهذه الأحاديث السابقة وما كان في معناها تدل على أنه يجوز أن يجتمع في العبد طاعة ومعصية، وإسلام وجاهلية، ولا يكفر بذلك إلا أن تكون المعصية مخرجة من ملة الإسلام كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وذلك فقد قال ابن تيمية رحمه الله: وطوائف من أهل الأهواء من الخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة ـ كراميهم وغير كراميهم ـ يقولون إنه لا يجتمع في العبد إيمان ونفاق، ومنهم من يدعي الإجماع على ذلك.
وقد ذكر أبو الحسن ـ يعني الأشعرى ـ في بعض كتبه الإجماع على ذلك، ومن هنا غلطوا فيه، وخالفوا فيه الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لهم بإحسان مع مخالفة صريح المعقول.
بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودا من وجه مذموما من وجه، ولا محبوبا مدعُوا له من وجه مسخوطا ملعونا من وجه، ولا يُتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار.
وحُكي عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك.
وأما أهل السنة والجماعة والصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر طوائف المسلمين يقولون: إن الشخص الواحد قد يعذبه الله بالنار، ثم يدخله الجنة كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة، وهذا الشخص له سيئات عُذب بها، وله حسنات دخل بها الجنة، وله معصية استحق بها النار، وطاعة استحق بها الجنة، فإن هؤلاء لم يتنازعوا في حكمه، ولكن تنازعوا في اسمه...إلى أن قال رحمه الله:
وعلى هذا الأصل فبعض الناس يكون معه شعبة من شعب الكفر ومعه إيمان أيضا، وعلى هذا ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تسميته كثيرا من الذنوب كفرا، مع أن صاحبها قد يكون معه أكثر من مثقال ذرة من إيمان، فلا يخلد في النار، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) [1] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبزار وابن أبي شيبة والطبراني عن ابن مسعود - رضي الله عنه - . ورواه الترمذي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أيضا بلفظ (قتال المسلم أخاه كفر وسبابه فسوق) وقال الترمذي: وفي الباب عن سعد وعبد الله بن مغفل وقد روي عن عبد الله بن مسعود من غير وجه.انتهى، وحديث سعد - رضي الله عنه - رواه ابن ماجة والبزار، ورواه ابن أبي شيبة عن النعمان بن عمرو بن مقرن - رضي الله عنه - ، وحديث عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه - رواه الطبراني في الأوسط، ورواه أيضا وأبو يعلى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - .