الصفحة 6 من 143

ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) [1] ، وهذا مستفيض عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من غير وجه، فإنه أمر في حجة الوداع أن يُنادى في الناس [2] .

فقد سمى من يضرب بعضهم رقاب بعض بلا حق كفارا، وسمى هذا الفعل كفرا، ومع هذا فقد قال تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) إلى قوله تعالى (إنما المؤمنون إخوة) ، فبين أن هؤلاء لم يخرجوا من الإيمان بالكلية، ولكن فيهم ما هو كفر وهي هذه الخصلة، كما قال بعض الصحابة كفر دون كفر، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) [3] ، فقد سماه أخاه حين القول وقد أخبر أن أحدهما باء بها، فلو خرج أحدهما عن الإسلام بالكلية لم يكن أخاه بل فيه كفر... اهـ [4]

وقال أيضا رحمه الله: وتمام هذا أن الإنسان قد يكون فيه شعبة من الإيمان وشعبة من شعب النفاق، وقد يكون مسلما وفيه كفر دون الكفر الذي ينقل عن الإسلام بالكلية، كما قال الصحابة ابن عباس وغيره: كفر دون كفر، وهذا قول عامة السلف، وهو الذي نص عليه أحمد في السارق والشارب ونحوهم ممن قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه ليس بمؤمن. اهـ [5]

وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: والولاية الكاملة تكون للمؤمنين المتقين كما قال تعالى (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا

(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وابن ماجة عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه - ، والبخاري والنسائي عن أبي بكرة - رضي الله عنه - ، والبخاري والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، والبخاري وأحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما.

(2) مسألة قتل المسلم لا يصح فيها الإطلاق بأنها غير مكفرة على العموم، بل الصحيح فيها التفصيل، فمن قتل المسلم بسبب دينه وعليه فهو كافر، بل هو شر من الكافر المحارب، هذا بخلاف ما إذا قتله لعداوة أو لأمر من أمور الدنيا، فإنه لا يكفر بذلك عند أهل السنة والجماعة، ولذلك قال ابن تيمية نفسه رحمه الله وقد سُئل عمن يتعمد قتل المسلم بسبب دينه فأجاب: أما إذا قتله على دين الإسلام مثل ما يقاتل النصراني المسلمين على دينهم، فهذا كافر شر من الكافر المعاهد، فإن هذا كافر محارب بمنزلة الكفار الذين يقاتلون النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وهؤلاء مخلدون في جهنم كتخليد غيرهم من الكفار، وأما إذا قتله قتلا محرما لعداوة أو مال أو خصومة ونحو ذلك، فهذا من الكبائر ولا يكفر بمجرد ذلك عند أهل السنة والجماعة، وإنما يُكفِّر بمثل هذا الخوارج.انتهى كلام شيخ الإسلام، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في الكلام على مسالة الموالاة وكلام أهل العلم فيها، وذلك في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

(3) سبق تخريجه.

(4) مجموع الفتاوى ج7/353: 356، باختصار.

(5) مجموع الفتاوى، ج 7 / 350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت