الكتاب قبلنا، وبيَّن أن ذلك ينافي الإيمان، وأن من فعل ذلك فهو من جملة المنافقين المتوعدين بالخلود في جهنم وبئس المصير.
وقال تعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} .
وقال تعالى عن المؤمنين المتقين: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه} ، إلى قوله تعالى: {أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} ، فقد بين تبارك وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يكن المودة لأعداء الله تعالى من الكفار والمشركين، ولو كانوا أقرب قريب له، وذلك لأن مودة الله ومحبته تنافي مودة عدوة، وهما ضدان لا يجتمعان في قلب امرئ مؤمن أبدا، وهذا دليل واضح على وجوب البراءة من الكفار أيا كان موقعهم وقرابتهم، وأن ذلك دليل صحة الإيمان.
ولذلك فقد ورد عن عبد الرحمن بن حسن وعلي بن حسين وإبراهيم بن سيف في رسالتهم إلى بعض إخوانهم: (إن التوحيد هو إفراد الله تعالى بالعبادة ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من المشركين باطنا وظاهرا ... ) ، وبعد أن ساقوا الآيات في ذلك قالوا: (ثم انظر كيف أكد الباري جل وعلا على رسله والمؤمنين باثنتي عشرة آية في البراءة من المشركين ومدحهم بتلك الصفة، وهذا كله يدل بلا ريب؛ على أن الله أوجب على المؤمنين البراءة من كل مشرك وأمر بإظهار العداوة والبغضاء للكفار عامة وللمحاربين خاصة وحرم على المؤمنين موالاتهم والركون إليهم) [1] اهـ.
وقال تعالى: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم} ، فقد بيَّن تعالى أن سبب ردتهم عن الإسلام وخروجهم عن الدين؛ هو أنهم قالوا للكفار الكارهين ما أنزل الله: {سنطيعكم في بعض الأمر} [2] .
فإذا كان من قال ذلك للكفار ولم يوالهم في الواقع كان مرتدا، فكيف من والاهم ونصرهم على المسلمين ودخل في أحلافهم ونفذ مخططاتهم؟! فهو أولى أن يكون كافرا مرتدا مستحقا للعقوبة في الدنيا والآخرة.
وقال ابن حزم رحمه الله: (وقد قال عز وجل: إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ا لهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله
(1) راجع الدرر السنية: 2/ 128.
(2) مجموع الفتاوى: 28/ 190 - 193.