الصفحة 71 من 143

سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم * فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم، فجعلهم تعالى مرتدين كفارا بعد علمهم الحق وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط، وأخبرنا تعالى أنه يعرف أسرارهم، وأخبرنا تعالى أنه قد أحبط أعمالهم بإتباعهم ما أسخطه وكراهيتهم رضوانه) [1] اهـ.

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله: (فأخبر تعالى؛ أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان وإملائه لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله: {سنطيعكم في بعض الأمر} ، فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافرا - وإن لم يفعل ما وعدهم به - فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم؟! فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر) [2] اهـ.

وقريب من معنى الآية السابقة قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون} ، ففي هذه الآية ببيان جلي بأن وعد المشركين في السر بالدخول معهم في أحلافهم ونصرهم والخروج معهم نفاقا وكفرا، وإن كان هذا الوعد كذبا وتمويها لا حقيقة له، فكيف بمن وعد الكفار بالدخول معهم ونصرهم صادقا ليس بكاذب؟! فكيف بمن نصرهم فعلا وصار من جملتهم وأعهانهم بالمال والرأي والعتاد؟! أليس هذا أشد حالا وأسوأ حكما ومآلا من المنافقين المذكورين في الآية ممن وعدهم فقط؟!

وقال تعالى ناصحا عباده المؤمنين: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} ، فنهى في هذه الآية عن موالاة الكفار وإكرامهم وأمر بإهانتهم وإذلالهم، ونهى عن الاستعانة بهم في أمور المسلمين لما فيه من العز وعلو اليد.

وكذلك كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ينهاه أن يستعين بأحد من أهل الشرك في كتابته، وتلا قوله تعالى: {لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا} ، وقال: (لا تردوهم إلى العز بعد إذ أذلهم الله) [3] اهـ.

(1) راجع الفصل في الملل: 3/ 122، راجع: تفسير الطبري: 26/ 58 - 60، تفسير ابن كثير: 4/ 181، فتح القدير للشوكاني: 5/ 39.

(2) الرسالة الحادية عشرة من مجموعة التوحيد: 346 - 347.

(3) راجع أحكام القرآن للجصاص: 4/ 293.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت