.. أن وظيفة العقل عندهم إنما هي الفهم عن الله تبارك وتعالى لأوامره، وترك تعدي حدوده، والإقرار بأنه سبحانه فعال لما يشاء، وليست كونه يحلَلّ أو يحرَّم فذاك ليس إليه، وليست وظيفته كذلك بأن يقضي أن تكون صلاة الظهر أربعًا وصلاة المغرب ثلاثًا وصلاة الصبح ركعتين، فهذا مما لا مجال للعقل فيه.
... قال ابن حزم رحمه الله تعالى: (وقد بينا أن حقيقة العقل إنما هي تمييز الأشياء المدركة بالحواس وبالفهم، ومعرفة صفاتها التي هي عليها جارية على ما هي عليه فقط …، فأما أن يكون العقل يوجب أن يكون الخنزير حرامًا أو حلالًا، أو أن يكون التيس حرامًا أو حلالًا، أو أن تكون صلاة الظهر أربعًا وصلاة المغرب ثلاثًا … فهذا لا مجال للعقل فيه لا في إيجابه ولا في المنع منه، وإنما في العقل الفهم عن الله تعالى لأوامره، ووجوب ترك التعدي إلى ما يخاف العذاب على تعديه والإقرار بأن الله تعالى يفعل ما يشاء، ولو شاء أن يحرم ما أحل، أو يحل ما حرم لكان ذلك له تعالى، ولو فعله لكان فرضًا علينا الانقياد لكل ذلك ولا مزيد) (( 1 ) ).
المطلب الثاني: دراسة موقف الظاهرية من العقل
موقف الظاهرية من العقل بتلك السمات الأربع المذكورة يعد تأصيلًا شرعيًا لمكانة العقل في الإسلام، تلك المكانة التي وضعت العقل في حجمه المناسب دون إفراط في المعيار أو تفريط في الاعتبار، وهذه وسطية محمودة تحقق توازنًا في الحكم واعتدالًا في الموقف.
فليس العقل عند أهل الظاهر كمًّا مهملًا لا قيمة له ولا حرمة، وليس إلهًا يملك سلطة التشريع بالتحليل والتحريم، بل هو آلة فهم ووسيلة معرفة، يجعل صاحبه على بصيرة من أمره فلا يصدر أحكامًا متناقضة، كما لا يرفض البديهيات المسلمة، ولا يتدخل بكبرياء وتيه فيما لا مجال له فيه، بل يدور في فلك الشرع مؤيدًا ومساندًا لا ندًا معاندًا.