يا رفيقي لقد ضللت طريقي وتخطت محجتي أقدامي
فيجعل من هذه المسافات بين صور التكرار دائرة يتحرك فيها ليشرح لرفيقه ما أصاب الكون من فساد فأصبح جحيمًا، لذلك جعل من هذه اللازمة وسائل وشرائح دفاعية ضد المجتمع والإنسان والكون رابطًا بين هذه المسافات بوحدة شعورية تنساب بين ثنايا السطور الشعرية وبوحدة لغوية مع حرف الواو أحيانًا وأحيانًا بأنماط أسلوبية متنوعة بين الجملة الفعلية والاسمية والإنشائية والخبرية ولكنها تتمحور وتدور حول نقطة الارتكاز (يارفيقي) وكأنه بذلك يكرر هذه اللازمة نفسيًا في بداية كل سطر شعري.
أما اللازمة الطويلة فتكونت من وحدات متداخلة متلاحمة تلاحمًا يحدث بها تأثيرًا قويًا وفاعلية في نفس المتلقي، لأنها تمتد عبر سطر شعري متكامل وذات بناء لغوي متعدد ليتمكن من خلالها من التعبير والتنفيس عما يجول في خاطره من حسرات وآهات، فنوّع في مواقعها فكانت على شكل افتتاحيات وأقفال على طريقة نظم الموشحات فهو لا يخرج عن الإطار التقليدي لبناء القصيدة العربية، ومع هذا لا يستطيع إغفال هذه الظاهرة في شعره لأنها داخلة في صميم تركيب النص الشعري للشابي وتشكل محطات منتظمة في خلق إيقاعات شعرية متساوية"فاللازمة الرنانة المنتظمة عنصر مهم في بناء القصيدة، كما أن البناء الخلفي الذي أحدثته اللازمة استطاع أن يكوّن بنية متلاحمة متصلة" (1) فعمل على الربط بين أجزاء القصيدة من خلال هذه اللازمة يقول في قصيدة (الكآبة المجهولة) :
أنا كئيب، أنا غريب
كآبتي خالفت نظائرها
كآبتي فكرة مغردة
لكنني قد سمعت رنتها
سمعتها فانصرفت مكتئبًا
سمعتها أنة يرجعها
غريبة في عالم الحزن
مجهولة من مسامع الزمن
بمهجتي في شبابي الثمل
أشدو بحزني كطائر الجبل
صوت الليالي ومهجة الأزل
إلى أن يقول:
مرت ليال خبت مع الأمد
روحي وتبقى بها إلى الأبد
كآبة الناس شعلة ومتى
أما اكتئابي فلوعة سكنت
أنا كئيب أنا غريب (2)