يحدِّد الإعلان دور القانون باسلوب يثير الاستغراب. فللقانون حدود ينبغي له ألاّ يتجاوزها: (( أليس للقانون الحق في أن يمنع غير الأعمال الضارة بالمجتمع ) )- المادة الخامسة. هذا النص يتكامل مع نص المادة السادسة التي تقول إن القانون هو التعبير عن الإرادة العامة. وهكذا فإن الإعلان يجعل القانون خاضعًا في الأصل لمعيار تفرضه عليه الإرادة، بدلًا من أن يكون هو المعيار الأول الذي يعيِّن للإرادة اتجاهها وخياراتها. القانون في الديمقراطية الليبرالية الحديثة التي افتتح الإعلان عهدها هو من الناحية الأساسية القانون المحكوم لا الحاكم، القانون الذي لا يتمتع بالسلطة الأولى بل يأخذ موقعه تحت الإرادة العامة التي تتمتع، هي، بالسلطة الأولى أو العليا، أي هو النظام الذي تضعه القوة لتحقق به مآربها. وكون القوة هي قوة الجماعة، لا قوة فرد أو طبقة أو طائفة، لا يعطي القانون وصفًا آخر، فالقوة هي القوة. ومن الناحية الجوهرية، إذن، فإن موقع القانون هو نفسُه في النظام القديم الذي قوّضته الثورة وفي النظام الجديد الذي أقامته. بل إن موقع القانون قد أصبح مطبوعًا أكثر من ذي قبل بطابع التبعية في النظام الجديد الذي حرّر القوة تحريرًا كاملًا إذ فصل السلطة عن جذورها الميتافيزيقية وردّها جوهريًا إلى الأمة (المادة الثالثة من الإعلان) . وهكذا تتبدّد فكرة سيادة القانون أو أولوية القانون التي تتغنّى بها الديمقراطيات الليبرالية الحديثة ولا يبقى منها إلاّ شعار وهميّ بغير محتوىً حقيقي. وإذا جاز لنا أن نتحدث عن أولوية القانون في النظرية الليبرالية فإنما هي أولوية نسبية لا مطلقة؛ وهذه الأولوية هي بلاشك شيء آخر غير السيادة التي هي أولوية مطلقة ولا يمكن تصوّرها غير ذلك. ولاشك في أن الاكتفاء بالنظر إلى الوجه القانوني المباشر للديمقراطية الليبرالية الحديثة وعدم إمعان النظر فيما وراء هذا الوجه الظاهر من سلطان