فهرس الكتاب
ومنها أن في سؤال الله عبودية عظيمة؛ لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه، ودفع الضر عنها فكيف يقدر على ذلك لغيره؟ وسؤاله إقامة له مقام من يقدر، وليس هو بقادر.
ومنها أن الله يحب أن يسأل، ويغضب على من لا يسأله، فإنه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه، ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالبًا يكره أن يُسأل لفقره وعجزه، …
ومنها: أن الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فاستجيب له …، فأي وقت دعاه العبد وجده سميعًا قريبًا مجيبًا، ليس بينه وبينه حجاب ولا بواب، وأما المخلوق؛ فإنه يمتنع بالحجاب والأبواب، ويعسر الوصول إليه في أغلب الأوقات )) (1) .
ولهذا كان عقوبة من سأل الناس تكثرًا أن يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، كما ثبت عن النبي (أنه قال:(ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) (2) .
وقال (:(يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة، حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال سدادًا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا) (3) .
(1) نور الاقتباس ص31؛ وانظر الوافي في شرح الأربعين النووية ص 127.
(2) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب من سأل الناس تكثرًا، ح (1474) . ورواه مسلم، كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، ح (1040) .
(3) رواه مسلم كتاب الزكاة، باب من تحل له المسألة، ح 1044.