فهرس الكتاب
وقد قال الرسول (لأحد الصحابة:(قل لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنز من كنوز الجنة) (1) . يقول ابن حجر (ت 852 هـ) ، (( تسمى هذه الكلمة كنزًا؛ لأنها كالكنز في نفاسته، وصيانته عن أعين الناس …؛ لأن معنى(لا حول) لا تحويل للعبد عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله …، وحاصله أن المراد أنها من ذخائر الجنة، أو من محصلات نفائس الجنة )) (2) . ويقول النووي: (( قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف بالإذعان له … ) ) (3) . فهي كلمة عظيمة تتضمن اعتراف العبد بأنه لا تحول له من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بإعانة الله وحده. فالاستعانة لا تطلب من أي إنسان، إلا عند الضرورة، وفيما يقدر عليه فقط، وإذا اضطر العبد الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه، فعليه أن يجعل ذلك وسيلة وسببًا، لا ركنًا يعتمد عليه، وإنما الركن الأصيل الذي يعتمد عليه في الدعاء والسؤال والاستعانة هو الله وحده لا شريك له. كما أنّ على العبد إذا احتاج إلى الاستعانة بالمخلوق، كحمل صندوق مثلًا، أن لا يشعر نفسه أن هذه استعانة كاستعانته بالخالق، وإنما عليه أن يشعر أنها كمعونة بعض أعضائه لبعض، كما لو عجز عن حمل شيء بيد واحدة، فإنه يستعين على حمله باليد الأخرى (4) . وعلى هذا فالاستعانة بالمخلوق، فيما يقدر عليه، كالاستعانة ببعض الأعضاء، فلا ينافي ذلك قوله (:(فاستعن بالله) . فإذا وقع العبد في مكروه وشدة فلا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه، أو الإخبار بحاله بعد الاستعانة بالله تعالى، ولا يكون هذا شكوى للمخلوق؛ فإنه من الأمور
(1) رواه البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا علا عقبة، ح 6384.
(2) انظر فتح الباري شرح صحيح البخاري 11/188، 500، 501.
(3) صحيح مسلم بشرح النووي 17/26.
(4) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد 3/130، وشرح رياض الصالحين 2/452، 453.