فهرس الكتاب

الصفحة 6562 من 6827

فهو يعيش ممزقًا بين عالمين عالم " اليوتوبيا " الذي يرسمه لنفسه، وعالم الواقع الذي يعيش فيه. في ليله أحلام وأفكار وأمانٍ وهموم، وفي الصباح حركة مجنونة، وواقع مشاهد يجر الحالم إلى أغلاله وقيوده، كأن هناك ناطورًا يحرسه بالليل من أن تطوف الأحلام برأسه - ومع هذا فهو يحلم ليهرب من واقعه، وحين تشرق الشمس يبدأ الواقع في المداهمة بجنوده وقيوده (1) .

رأسٌ مليء بالهم والكدر والسهر المضني، ونفس كالمقبرة مليئة بقبور الذكريات، وسجين في سجن مظلم مهدّم تجرّه روح قديمة (2) .

هذه المعاناة هي معاناة الكبار، وأحاسيس الفاتحين في معركة الحياة، لأن الحياة لديهم عطاءٌ وبذل وانتماء، وليست غدوًّا ورواحًا. وحين نتأمل سير العظماء نجد " المكابدة " والسهر، والتمزّق الداخلي زادًا يوميًّا لهم، غارقون في البحث عن حقائق الأشياء، مولعون بالمعرفة، لا يقتلهم في حياتهم شيء كما تقتلهم الجموع المنطفئة، والأحاسيس الميتة، والتدافع المحموم إلى توافه الحياة ونقائصها. ولهذا كان حمزة يُحسّ بواجب وطني كبير عليه تجاه وطنه، مع أنه لم يكن عالة على أحد، وإنما كان مواطنًا باذلًا، مقاومًا لعوامل الضعف فهذا هو مبرر وجوده كما يقول (3) . وكان شاعرًا وأديبًا ومفكرًا من طراز خاص، حين يذكر الشعر والأدب والفكر السعودي يظل حمزة في مقدمة مبدعيها ومع هذا كله يشعر أنه لم يقم بواجباته تجاه وطنه لا بوصفه مواطنًا، ولا بوصفه مبدعًا (4) .

(1) المرجع نفسه ص 51.

(2) نفسه ص 51.

(3) رفات عقل ص 15.

(4) المرجع نفسه ص 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت