تلك الأيام على الملإ المفتونين بخطوط العساكر التي وصلت إلى بلدتنا، وأنت تدري ما فيها من الصد عن سبيل الله وهدم دينه، ومطاردة أوليائه، والتنويه بذكر أعداء الله، والدعوة إلى طاعتهم، والدخول تحت أمرهم، وتخويف المسلمين منهم. وقد صرح كثير من الناس بالدخول تحت أمرهم، وظهر الفرح والسرور من كثير ممن يدعي الإسلام، وأنت أيها الرجل ممن يتردد إلى هؤلاء المفتونين، ويأنس ببعضهم، ويصغي إلى شبهاتهم وجهالاتهم، ولم تلتفت إلى بحث ومحاقة ولا استرشاد، كما هو الواجب لله عند تلك الفتنة والشبهات، لكنك غلَّبت جانب الهوى، وأكثرت تلك الأيام من مجالسة من يضر ولا ينفع، ولا يني 1 /من/2 إغوائه ولا ينزع، وقد جاء الأثر: أن من جالس صاحب البدعة نزعت من العصمة 3. فكيف بما هو أكبر من البدعة وأعظم؟!.
ولم يبلغني عنك تلك الأيام ما يسرني، من قيام لله، ونصرة لدينه، اللهم إلا ما جرى على لسانك من دعوى البراءة من الشرك وأهله على سبيل الإجمال، لا التفصيل. وقد علم الله أن العبرة بالحقائق،/و/4 ليس الإيمن بالتمني ولا
ت
1 لا يني: أي لا يفتر ولا يتعب. لسان العرب، 15/415، مادة"وني".
2 في المطبوع: عن.
3 أخرجه محمد بن وضاح القرطبي،"ت286هـ"في كتابه: البدع والنهي عنها، بتحقيق محمد أحمد دهمان، دار البصائر، ط/2، 1400هـ-1980م، دمشق، ص 48. من كلام"كثير أبي سعيد"وزاد:"... ووكل إلى نفسه".
وقد ورد في النهي عن مجالسة أهل البدع آثار عدة منها:
1 -ما روى عن عبد الله بن المبارك:"يكون مجلسك مع المساكين، وإياك أن تجالس صاحب بدعة". شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، للآلكائي،"ت418هـ".
تحقيق: د. أحمد سعد حمدان الغامدي، دار الطيبة، الرياض، ط/1، 1/137.
2 -وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما - قال:"لا تجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب". الشريعة، للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1/1403-1983م، ص 61.
4 الواو زائد في المطبوع. وهو ضروري للربط بين الكلام.