مرةً خشي هذا الخليفة العظيم أن يجامله الناس على حساب دينهم, وهو يخاف على نفسه أن يصدِّقهم، لذلك جمع علية القوم ونخبة أصحابه, وقال لهم: إني دعوتكم لتشاركوني أمانة ما حملت من أموركم، فإني واحدٌ كأحدكم، وأنتم اليوم تقرُّون بالحق، خالفني من خالفني، ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هواي، فمعكم من الله كتابٌ ينطق بالحق، فوالله لئن كنت نطقت بأمرٍ أريده فما أريد به إلا الحق، أي أنكم معكم مقياس، وهو كتاب الله، وسنة نبيّكم، وإياكم أن تنطقوا بكلامٍ وفق هواي، تحرّوا الحق ولا تأخذكم في الله لومة لائم، هذا موقف آخر.
محور هذا الفصل هذا الموقف المتشدد من أصحابه، حيث إنهم لو تكلَّموا كلامًا لإرضائه بعيدًا عن الحق لكان هذا سببًا لغضبه أشد الغضب.
ولا تنسوا أيها الأخوة, أن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يستشير أصحابه, قال:
{وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}
(سورة آل عمران الآية: 159)
كما أن الله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين, فقال:
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}
(سورة الشورى الآية: 38)
نحن كمسلمين يجب علينا أن نستشير في كل أمر، لأنه من استشار الرجال استعار عقولهم، كما قال عليه الصلاة السلام:"تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ضال".
(ورد في الأثر)
ما دام المؤمن على الحق، وليس له مصالح تتناقض مع الحق, فلا بأس عليه أن يسأل، ولا حرج عليه أن يستشير، وما المانع أن يأخذ برأي زيدٍ وعُبيد لئلا يقع في انحرافٍ أو في خطورة؟.
وقد مرَّ بكم أن سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه, اختار من بين أرقى العلماء وأشدِّهم ورعًا, رجلًا عالمًا جليلًا فاضلًا، قال:"اجلس إلى جانبي، فإن رأيتني ضللت فخذني من تلابيبي، وهُزَّني هزًا شديدًا، وقل لي: اتق الله يا عمر، فإنَّك ستموت".
خشية عمر أن لا ينصحوه الناس خوفًا من قوته: