قَال الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ يَخْلُو حَال النَّاسِ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ وَنُهُوا عَنْهُ مِنْ فِعْل الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
فَمِنْهُمْ: مَنْ يَسْتَجِيبُ إِلَى فِعْل الطَّاعَاتِ وَيَكُفُّ عَنِ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَهَذَا أَكْمَل أَحْوَال أَهْل الدِّينِ، وَأَفْضَل صِفَاتِ الْمُتَّقِينَ، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ جَزَاءَ الْعَامِلِينَ وَثَوَابَ الْمُطِيعِينَ. وَمِنْهُمْ: مَنْ يَمْتَنِعُ مِنْ فِعْل الطَّاعَاتِ وَيَقْدَمُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، وَهِيَ أَخْبَثُ أَحْوَال الْمُكَلَّفِينَ، وَشَرُّ صِفَاتِ الْمُتَعَبِّدِينَ، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ عَذَابَ اللاَّهِي عَنْ فِعْل مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَعَذَابَ الْمُجْتَرِئِ عَلَى مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ مِنْ مَعَاصِيهِ، وَقَدْ قَال ابْنُ شُبْرُمَةَ: عَجِبْتُ لَمِنْ يَحْتَمِي مِنَ الطَّيِّبَاتِ مَخَافَةَ الدَّاءِ كَيْفَ لاَ يَحْتَمِي مِنَ الْمَعَاصِي مَخَافَةَ النَّارِ؟
وَمِنْهُمْ: مَنْ يَسْتَجِيبُ إِلَى فِعْل الطَّاعَاتِ وَيُقْدَمُ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي، فَهَذَا يَسْتَحِقُّ عَذَابَ الْمُجْتَرِئِ لِأَنَّهُ تَوَرَّطَ بِغَلَبِةِ الشَّهْوَةِ عَلَى الإِقْدَامِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِنْ سَلِمَ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي فِعْل الطَّاعَةِ، قَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَفَضْل النَّاسِ مَنْ لَمْ تُفْسِدُ الشَّهْوَةُ دِينَهُ وَلَمْ تُزِل الشُّبْهَةُ يَقِينَهُ. [1]
قَال الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ: فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اشْتَرَطَ فِي الْحَسَنَةِ الْمَجِيءَ بِهَا إِلَى الْآخِرَةِ، وَفِي تَرْكِ الذُّنُوبِ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا سِوَى التَّرْكِ، قَالَ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] ،وَقَالَ تَعَالَى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى 40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:40 - 41] ،فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ" [2] "
(1) - أدب الدنيا والدين (ص: 96)
(2) - تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي (ص: 374)