واستشكل قوم من الصوفية وغيرهم أثر التداوي فقالوا:"إن الشفاء قد قدر، فالتداوي لا يفيد. وإن لم يكن قد قدر فكذلك". وأيضًا،"فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يُدفع ولا يُرد" (60) . وهذا كلام ظاهره الحجة، ولكنه في غير محل الخلاف، ولا حجة لهم فيه. وقد رد ابن القيم على هذا بقوله: إن هذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمّا أفاضل الصحابة - فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا؛ وهم يشيرون إلى حديث أسامة بن شريك. قال:"جئت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب؛ فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد، قالوا: ما هو؟ قال: الهرم" (1) .
أيضًا، فقولهم هذا يوجب أن لا يباشروا سببًا من الأسباب التي يجلبون بها منفعة أو يدفعون بها مضرة، إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما. وفى ذلك خراب الدين والدنيا وفساد العالم. وهذا لا يقوله إلا مراء للحق، معاند له كالمشركين الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) (2) ، و (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا) (3) .
وهذا الذي قالوه دفعًا لحجة الله عليهم بالرسل.
التداوي والتوكل:
(1) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الرجل يتداوى ح (3855) . والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الدواء والحث عليه ح (2045) وقال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح (3436) . وانظر تحفة الاشراف ح (127) . وأخرجه أحمد في مسنده (4/278) . وانظر صحيح سنن ابن ماجة للالباني ح (2772) .
(2) سورة الأنعام: آية 148.
(3) سورة النحل: آية 35.