الصفحة 55 من 297

إن الذي أنزل القرآن شفاءً لأرواحنا هو خالق هذه الأرواح ومبدعها، وهو العالم بما يصلحها ويفسدها.

يقول ابن القيم مبينا أن علاج الأرواح إنما هو للوحي السماوي المنزل على الرسل والأنبياء دون غيرهم:"فأما طب القلوب فمسلم إلى الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم، وعلى أيديهم. فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأحكامه، وأن تكون مُؤْثرة لمرضاته ولمحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقيه إلا من جهة الرسل، وما نظن من حصول صحة القلب بدون اتباعهم فغلط ممن يظن ذلك. وإنما ذلك حياة نفسه البهيمية الشهوانية وصحتها وقوتها، وحياة قلبه وصحته وقوته عن ذلك بمعزل. ومن لم يميز بين هذا وهذا فليبك على حياة قلبه، فإنه من الأموات، وعلى نوره فإنه منغمس في بحار الظلمات" (1) .

وعملية إصلاح النفس الإنسانية أطلق عليها القرآن"تزكية النفس". وعملية إفساد هذه النفس سماها"بتدسية النفس"وأقسم الحق تبارك وتعالى أقساما سبعة في مطلع سورة الشمس على أن المفلح من زكى نفسه، والخائب الخاسر من دساها فقال:

(والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها، والأرض وما طحاها، ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكَّاها، وقد خاب من دساها) (2) .

وقال في موضع آخر: (قد أفلح من تزكى) (3) .

وقال لموسى عندما أرسله إلى فرعون: (إذهب إلى فرعون إنه طغى، فقل هل لك إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى) (4) .

ولما كان القرآن هو طب القلوب وأدواءها، وبه تتحقق تزكية النفوس والأرواح. فإنه بمثابة الروح لأرواحنا، والنور لبصائرنا.

(1) انظر زاد المعاد لابن القيم (4/7) .

(2) سورة الشمس: آية 1-10.

(3) سورة الأعلى: آية 14.

(4) سورة النازعات: آية 17-19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت