الصفحة 63 من 297

فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، وللمسافر طلبًا لحفظ صحته وقوته لئلا يذهبها الصوم في السفر لاجتماع شدة الحركة، وما يوجبه من التحلل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر حفظًا لصحته وقوته عما يضعفها.

وقال تعالى في آية الحج: (فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) (1) .

فأباح للمريض، ومن به أذى من رأٍسه من قمل أو حكة أو غيرها أن يحلق رأسه في الإحرام استفراغًا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر. فإذا حلق رأٍسه، ففتحت المسام، فخرجت تلك الأبخرة منها، فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذى انحباسه.

والأشياء التي يؤذى انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج، والمنى إذا سبغ، والبول، والغائط، والريح، والقئ، والعطاس، والنوم، والجوع، والعطش.

وكل واحد من هذه العشرة يوجب حبسه داء من الأدواء بحبسة. وقد نبه سبحانه باستفراغ أدناها، وهو البخار المحتقن في الرأس على استفراغ ما هو أصعب منه كما هي طريقة القرآن التنبيه بالأدنى على الأعلى.

وأما الحمية فقال تعالى في آية الوضوء: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا) (2) .

فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه. وهذا تنبيه على الحمية من كل مؤذ له من داخل أو خارج (3) .

وقد عقب ابن القيم على كلامه هذا الذي نقلناه عنه بقوله:"فقد أرشد سبحانه عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده" (4) .

(1) سورة البقرة: آية 196.

(2) سورة النساء: آية 43.

(3) انظر زاد المعاد لابن القيم: (3/64) بتصرف.

(4) زاد المعاد: (3/94) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت