جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم عروة من عرى الإسلام (1) .
والحُكْم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول، لا من الفقهيات والفروع، فالإسلام حُكْم وتنفيذ، كما هو تشريع وتعليم، كما هو قانون وقضاء، لا ينفك واحد منها عن الآخر، والمصلح الإسلامي إن رضي لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا يقرِّر الأحكام، ويرتِّل التعاليم، ويسرد الفروع والأصول، وترك أهل التنفيذ يشرِّعون للأمة ما لم يأذن به الله، ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره .. فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد، ونفخة في رماد، كما يقولون.
قد يكون مفهومًا أن يقنع المصلحون الإسلاميون برتبة الوعظ والإرشاد إذا وجدوا من أهل التنفيذ إصغاءً لأوامر الله، وتنفيذًا لأحكامه، وإيصالًا لآياته وأحاديث نبيه - صلى الله عليه وسلم - أما والحال كما نرى: التشريع الإسلامي في واد، والتشريع الفعلي والتنفيذي في واد آخر، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يُكَفِّرها إلا النهوض، واستخلاص قوة
(1) إشارة إلى حديث:"لتنقضن عُرَى الإسلام عُروة عُروة، فأولها نقضا: الحُكم، وآخرها نقضًا الصلاة"، وقد رواه أحمد في المسند (22160) وقال محققوه: إسناده جيد، وابن حبان في صحيحه كتاب التاريخ (15/ 111) ، وقال الأرناؤوط: إسناده قوي، والطبراني في الكبير (8/ 98) ، والحاكم في المستدرك كتاب الأحكام (4/ 104) ، وقال: والإسناد كله صحيح و لم يخرجاه، والبيهقي في الشعب (4/ 326) عن أبي أمامة.