الصفحة 10 من 47

4 -يقول وهو يصف إمكان سبْر الأحكام في الحوادث الممكنة المتوقَّعة:"لو قال قائل: ما يُتوقَّع وقوعه من الوقائع لا نهايةَ له، ومآخذ الأحكام متناهية، فكيف يشتمل ما يتناهى على ما لا يتناهى. وهذا إعضال لا يبوء بحمله إلاَّ موفقٌ ريانُ في علوم الشريعة. فنقول: للشرع مبنى بديع، وأسٌّ هو منشأ كل تفصيل وتفريع، وهو معتمد المفتي في الهداية الكليَّة والدراية، وهو المشير إلى استرسال أحكام الله على الوقائع مع نفي النهاية، وذلك أنَّ قواعد الشريعة متقابلة بين النفي والإثبات، والأمر والنهي، والإطلاق والحجر، والإباحة والحظر، ولا يتقابل قطُّ أصلانِ إلاَّ ويتطرَّق الضبط إلى أحدهما، وتنتهي النهاية عن مقابله ومناقِضِه". (1)

ومعنى هذا أنَّ أحكام الشريعة تدار على مجموعة من المتقابلات كالحظر والإباحة، والإطلاق والتقييد، والأمر والنهي، وكل متقابلين في الشريعة ينتهي أحدهما - لا محالة - إلى الضبط والانتهاء، فينظر في المتوقَّع هل يندرج تحت الضابط الذي تحدَّد وتعيَّن في إطاره أحد المتقابلين، فإن اندرج تحته أخذ حكمه، وإن لم يندرج أخذ حكم الأصل المقابل. ويمثل لذلك بالنجاسة والطهارة، فما يحكم الشارع بنجاسته ينحصر نصًا واستنباطًا، وما لا يحكم بنجاسته لا نهاية له ولا ضابط، فسبيل المجتهد البحث في القسم المنحصر وهو النجاسة، فإن لم يلتحق به ألحقه بمقابل القسم وحكم بطهارته. (2) "ثم هذا المسلك يطَّرد في جميع قواعد الشريعة، ومنه ينبسط حكم الله على ما لا نهاية له" (3) .

(1) الجويني، الغياثي، ص 499.

(2) انظر الجويني، الغياثي، ص 500.

(3) الجويني، الغياثي، ص 500.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت