ومثال آخر: ومثال آخر: تقديم أحكام البراءة الأصليَّة على أحكام التكليف، عند تعارض المعالم، وتدارؤ المظانّ، لما قد يعتري من ظروف يضطرب فيها الحدْس، ويختلف نهج التوقع والحس. والبراءة استثبات فراغ الذمة عن عهدة التكليف، واستبقاؤها في منأىً عن عنت المطالبة بالواجبات والاقتضاء بوفاء الحقوق. فقد مهَّد الجويني هذا التقديم بافتراض سؤال، في آخر المآل، فما كان مقدمًا هناك يجب أن يتقدم بإطلاق، لأنه غاية المذاق، ونهاية المساق. فقد افترض أنَّه لو شغر الزمان عن المجتهدين والعلماء حتى النقلة منهم، وانقرض العارفون بأحكام الدين أصولًا وفروعًا، واندرست معالم الدين، انقطعت التكاليف، فيقول:"إذا دُرست فروع الشريعة وأصولُها ولم يبقَ معتصم يُرجع إليه ويعوَّل عليه، انقطعت التكاليف عن العباد، والتحقت أحوالهم بأحوال الذين لم تبلغهم دعوة ولم تنط بهم شريعة" (1) ، والسبب في ذلك أنَّ"الظنون لا يَرْتَبِط بها في خلو الدهر عن حملة الشريعة حكمٌ، فإن ظنون من ليس من أحزاب العلماء لا وقع لها، ولا يثبت شيء إلاَّ بقطع" (2) . وفي هذا تقديم البراءة الأصلية على منصب التكليف، في الأحوال التي يعسر فيها ضبط مجالات هذا الأخير، فما لا يسقط بحال مقدَّم على ما يسقط في بعض الأحوال. وعليه، لو عمَّت فاقةٌ وفقر، وظهر المحاويج، وضعفت أمام تداعيات الحاجة الهممُ، وعسُر التمييز بين ذي الحاجة المرتاد والغني المعتاد، كالذي حدث عام الرَّماد؛ فإن قطع السرَّاق يسقط، لتقدم قاعدة البراءة على قاعدة التكليف. يقول ابن القيم:"سقوط القطع في المجاعة محض القياس ومقتضى قواعد الشرع، فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة، غلب على الناس الحاجة والضرورة ..."
(1) الجويني، الغياثي، ص 562.
(2) الجويني، الغياثي، ص 550.