وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدرئ". (1) ،)"
وما تأجيل الإمام عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - إقامة القصاص على قتلة عثمان - رضي الله عنه -، إلى وقت استتباب أمن الأمة، واستبداد هيبة الدولة، وتصافق الرهط المؤمن بالبيعة، والْتِمام الشمل وضبط الإيالة لرمّ ما يسترمّ، إلاَّ من هذا الباب؛ وذلك لأن القتلة كانوا عددًا من الناس، وكان في ملأهم من لم يجتمع على قصد القتل والعدوان، وكان قدر الاشتراك بالجريمة النكراء مختلفًا من فرد لآخر وجماعة لأخرى، فأخَّر شغل الذمم بالقصاص والتكليف عن موجب البراءة الأصليَّة، إلى أن يتكشف رابطةَ السبب في أفعال الطغام، ويتحرَّى القصد في التهتك والإجرام، فالإبقاء على البراءة أقطع دلالة من دلالة القصاص في هذه الحالة. ثم إن بعض المطالبين بالقصاص العاجل تأخرّوا عن البيعة وعزموا أن يتقدَّم القصاص عقدَ مراسم الإمامة، والقتلة اجترحوا إثمًا ولكنهم بادروا إلى البيعة، وقتلهم بريئًا لا يمنع من أخذ البيعة منهم. لذلك قدَّم الإمام عليٌّ دفع مفسدة تفريق الصفقة على مصلحة الإيقاع العاجل لعقوبة القصاص، لأن القصاص من أحكام القضاء المترتب على استقامة الإمامة الكبرى ويحتمل التأجيل والتقسيط إلى مَحِلّ الاقتدار والتمكين، وأمر الإمامة لا يحتمل إلاَّ الضبط والتدبير، وهي الأصل الأول المستدام، في تنفيذ الأحكام المتعلقة بالخصام، (2) "وأولى الأمور بالرعاية ما يتعلق بالنظر في قواعد الإسلام وضبط أصول الأحكام". يقول ابن القيم:"تأخير الحد لعارض أمرٍ وردتْ به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض."
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 3، ص 11 - 12.
(2) انظر الجويني، الغياثي، ص 278 - 282.