الصفحة 43 من 47

وإذا جرى تحقيق المناط على قاعدة الاقتضاء الأصلي وكان المناط ثابتًا بنص أو إجماع فإنه اجتهاد تحقيقي محض. ولكن أكثر المناطات جارية على الاقتضاء التبعي ولا تكون متفقًا عليها بين العلماء ولا ثابتةً بنص، فيفتقر الأمر إلى الاجتهاد في تنقيح المناط وتخريج المناط. وهنا يظهر أن قاعدة اعتبار المآلات مندرجة في تنقيح المناط وتحقيق المناط، فيتسق فيها التحقيق والاستنباط للمناط على قدم وساق. وقد يكون هذا من باب"تخريج المناط"، وهو القسم الدائر بين تنقيح المناط وتحقيق المناط، ولكن بعض العلماء يجعل القسمة ثنائية بين تنقيح المناط وتحقيق المناط، فحينئذ يلتحق التخريج، على الأغلب، بتحقيق المناط. (1)

وفقه الواقع أعم من فقه الواقعة، فهو في العربية بمثابة اسم الجنس الجمعي الذي يقابله اسم الجنس الإفرادي، كتمر وتمرة وشجر وشجرة. فلئن كان فقه الواقعة جزئيًا فإن فقه الواقع كلي، ومرتََبطُه فهم الواقعات وإدراك العلائق السببية بينها وفهم النسب والإضافات والمقولات المنطقية التي تقع في نظامها مجموعةً لا مفردةً. وبعبارة أخرى: فهم الواقع هو الكلي المستقرأ أو المنتظم من فهم الواقعات ودرك ما بينها في الخارج من صلات ونسب وعلاقات، بحيث يُعرف وجه اتصالها واجتماعها، وتتكشَّف جهات افتراقها وانفصالها. وإذا كان العلماء في الإسلام يعقلون المصالح بالشرع، فإن فقه الواقع ينصرف إلى درك جهات التأثير والملاءمة والمناسبة الكامنة في الواقعات، في نظام تركيبها وصلات انتظامها، بمعيار مقاصد الشريعة وأحكامها ونظامها.

(1) انظر الزركشي، بدرالدين بهادر، البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق: عبدالستار أبو غدة (الكويت: وزارة الأوقاف، ط 1، 1988 م) ، ج 5، ص 255 - 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت