مانع فكذلك قد يتبنى الرجل مسألة بِدْعِيّة فلا نبدعه لقيام مانع مع قولنا: إنها بدعة، ومن شواهد هذا عدة مواطن للحافظ الذهبي في"سير أعلام النبلاء"منها:
-قال في ترجمة"ابن خزيمة": [ولابن خزيمة عظمة في النفوس، وجلالة في القلوب لعلمه ودينه، وإتّباعه السنة، وكتابه في"التوحيد"مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة[1] فليُعْذَرْ من تأوَّل بعضَ الصفات، وأما السلف، فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوَّضُوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كلَّ من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه، وبَدَّعْناه، لَقَلَّ من يَسْلَم من الأئمة معنا. رحم الله الجميع بمَنِّه وكرمه].
-وقال في ترجمة"قتادة": قدوة المفسرين والمحدثين ... وكان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ. روى عنه أئمة الإسلام ... وكان يرى القَدَر، نسأل الله العفو.
ومع هذا فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تَلَبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يسأل عما يفعل.
ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلِمَ تَحَرِّيْه للحق، واتسع علمه،
(1) 7 - حديث الصورة، متفق عليه، ولفظه عند ابن خزيمة في"التوحيد"40 39:"خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا، ... فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن".، وأخرج مسلم، وابن خزيمة وغيرهما مرفوعًا:"إذا قاتل أحدكم أخاه فلْيَجْتَنِب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته"، قال ابن خزيمة بعد أن أورد هذه الأحاديث:"توهم بعض من لم يتحر العلم أن قوله:"على صورته"يريد صورة الرحمن، عز ربنا وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر، بل معنى قوله: خلق آدم على صورته: الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم, أراد صلى الله عليه وسلم أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب، والذي قبح وجهه، فزجر صلى الله عليه وسلم أن يقول: ووجه من أشبه وجهك، لأن وجه آدم شبيه وجه بنيه، فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، كان مقبحا وجه آدم صلوات الله وسلامه عليه."
قال الحافظ ابن حجر في"الفتح"11/ 3 2 في أول الاستئذان:"واختلف إلى ماذا يعود الضمير؟ فقيل: إلى آدم، أي: خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط، وإلى أن مات، ... وقيل: الضمير لله، وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه"على صورة الرحمن"والمراد بالصورة: الصفة، والمعنى: أن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء."