فالعامي لا يلزمه عالم بعينه، ويُجْزِئُه أن يَسْأَلَ من تيسر له كما كان الصحابة مع علمائهم، وإن بحث -رغم بساطة علمه- فمال إلى جهة فيجوز له ما دام موافقًا لواحد من العلماء المعتدِّ بهم ولم يَشِذَّ عن جميعهم، قال القَرَافِي: [أجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ويعمل بقولهم بغير نكير] [1] .
إذن في المسائل الاجتهادية لا يُضَلَّل ولا يُفَسَّق المخالفُ الذي عُرفت سيرته الحميدة كأحمد والأوزاعي ونحوهم لمجرَّد مخالفته لنا، ولكن يُخَطَّأ بعد البحث العلمي المنصف، أما التخطيء قبل ذلك فهو نوع من الظلم.
س: ماذا عن رأي الجمهور أو الأئمة الأربعة المشهورين [أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد] ؟.
ج: الأدلة الشرعية معروفة عند أهل العلم: الكتاب والسنة والإجماع والقياس -وما تفرع عنها-، فاجتهاد أئمة العلم أو رأيهم ليس دليلًا شرعيًا البتة، مع تقديرنا لهم وإحسان الظن بنيتهم في البحث عن الحق، ولكن إذا لم يتيسر للشخص البحث العلمي المقبول فلا شك أن رأي الجماهير من أهل العلم الأثبات أكثر راحة للنفس من المشي مع رأي الواحد والاثنين، تمامًا كما لو كانت المسألة طبية واختلف فيها الأطباء.
وأمر آخر يفيدنا إذا عرفنا رأي الجمهور فيدفعنا هذا أن نزداد حرصًا في تحري المسألة والتدقيق فيها، فإذا تبين لنا أن الدليل مع الطرف المخالف للجمهور مشينا مع الدليل ونحن في ثقة من بحثنا؛ لأننا حققنا المسألة جيدًا.
(1) -"من أضواء البيان".