فشاء ربنا أن يمتحن الصادق في البحث عن الحق -والحق واحد والمصيب فيه واحد-، فمن أصابه فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد كما جاء في الحديث؛ هذا إذا كانت المسألة اجتهادية وكان المختلفون فيها أهلًا للاجتهاد لا متعالمين.
فَالمَسَائِلُ الفِقْهِيّة:
إمّا أنها قطعية لا خلاف فيها عند أهل السنة؛ فإن عَرفْنا أنها اتفاقية فقد نُضَلّلُ الطرف المخالف إن لم يقم مانعٌ شرعي من تضليل المعَيَّن؛ والمانع: كجهلِ المخالِف بكونها اتفاقية مع اعتمادِه على حديث ظنه يفيد ما تبناه.
[تنبيه: المسائل الاتفاقية المجمع عليها منها ما هو من المعلوم من الدين بالضرورة فلا يُعْذَر بالجهل ومنها ليس معلومًا من الدين بالضرورة] .
وإمّا أنها مسألة اجتهادية قد حصل الاختلاف فيها بين أهل السنة من العلماء المعتدِّ بهم؛ فلا يُضَلَّل المخالف ولا يُفَسَّق بمجرد مخالفته، ولكنه يُخَطَّأ فيما ذهب إليه بشرط أن يكون المُخَطِّئ له قد بحث المسألة بحثًا علميًا منصفًا، فنَظَرَ في أدلةِ المخالفين وسمع حُججهم ثم حكم، لا أن يكون قرأ أدلة إحدى الجهتين ثم حكم على الأخرى غيابيًا بالخطأ؛ فهذا من الظلم، والظلم ظلمات يوم القيامة.
بناءً على هذا فقد نَعْذُر الطرفين رغم جَزْمِنا أن الصواب واحدٌ، كما فعل نبينا مع الفريقين من الصحابة حين قال: (لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصر إلا في بني قُرَيْظَة) . (فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَاتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ) [1] .
(1) - البخاري.