ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حدثوا عن بني إسرائيل / ولا حرج) ، وهذا الباب وهو: (باب الوعد والوعيد) ، هو في الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين، والصابرين، والمجاهدين، والمحسنين، فما أكثر من يظن من الناس أنه من أهل الوعد، ويكون اللفظ في ظنه أنه متصف بما يدخل في الوعد لا في اعتقاد صدق الوعد في نفسه.
وهذا كقوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] ، وقوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} الآيتين [الصافات: 171،172] ، فقد يظن الإنسان في نفسه أو غيره كمال الإيمان المستحق للنصر، وإن جند الله الغالبون، ويكون الأمر بخلاف ذلك.
وقد يقع من النصر الموعود به ما لا يظن أنه من الموعود به، فالظن المخطئ، فهم ذلك كثير جدا أكثر من باب الأمر والنهي مع كثرة ما وقع من الغلط في ذلك، وهذا مما لا يحصر الغلط فيه إلا الله ـ تعإلى ـ وهذا عام لجميع الآدميين، لكن الأنبياء ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ لا يقرون، بل يتبين لهم، وغير الأنبياء قد لا يتبين له ذلك في الدنيا.
ولهذا كثر في القرآن ما يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتصديق الوعد / والإيمان، وما يحتاج إليه ذلك من الصبر إلى أن يجيء الوقت، ومن الاستغفار لزوال الذنوب التي بها تحقيق اتصافه بصفة الوعد، كما قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] وقال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} الآية [غافر: 77] . والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة. والله ـ تعالى ـ أعلم.
وقال الجصاص حول المذنب لا يجوز له أن ييأس:
وقوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} وَالِاعْتِرَافُ الْإِقْرَارُ بِالشَّيْءِ عَنْ مَعْرِفَةٍ ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ قَرَّ الشَّيْءُ إذَا ثَبَتَ , وَالِاعْتِرَافُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الِاعْتِرَافَ بِالْخَطِيئَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ ; لِأَنَّ تَذَكُّرَ قُبْحِ الذَّنْبِ أَدْعَى إلَى إخْلَاصِ التَّوْبَةِ مِنْهُ وَأَبْعَدُ مِنْ حَالِ مَنْ يُدْعَى إلَى التَّوْبَةِ مِمَّنْ لَا يَدْرِي مَا هُوَ وَلَا يَعْرِفُ مَوْقِعَهُ مِنْ الضَّرَرِ , فَأَصَحُّ مَا يَكُونُ مِنْ التَّوْبَةِ أَنْ تَقَع مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ وَلِذَلِكَ حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ آدَمَ وَحَوَّاءَ عِنْدَ تَوْبَتِهِمَا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ} وَإِنَّمَا قَالَ: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} لِيَكُونُوا بَيْنَ الطَّمَعِ , وَالْإِشْفَاقِ فَيَكُونُوا أَبْعَدَ مِنْ الِاتِّكَالِ , وَالْإِهْمَالِ وَقَالَ الْحَسَنُ:"عَسَى"مِنْ اللَّهِ وَاجِبٌ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُذْنِبَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْيَاسُ مِنْ التَّوْبَةِ , وَإِنَّمَا يَعْرُضُ مَا دَامَ يَعْمَلُ مَعَ الشَّرِّ خَيْرًا لقوله تعالى: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} وَأَنَّهُ مَتَى كَانَ لِلْمُذْنِبِ رُجُوعٌ إلَى اللَّهِ فِي فِعْلِ الْخَيْرِ , وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى الذَّنْبِ أَنَّهُ مَرْجُوُّ الصَّلَاحِ مَامُونُ خَيْرِ الْعَاقِبَةِ , وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} فَالْعَبْدُ , وَإِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الِانْصِرَافُ عَنْ الْخَيْرِ يَائِسًا مِنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ مَا بَقِيَ فِي حَالِ التَّكْلِيفِ , فَأَمَّا مَنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهُ وَكَثُرَتْ مَظَالِمُهُ وَمُوبِقَاتُهُ فَأَعْرَضَ عَنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَالرُّجُوعِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَائِسًا مِنْ قَبُولِ تَوْبَتِهِ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَلًّا بَلْ رَانَ