الْإِيَاسِ مُطْلَقًا لِقِلَّةِ ثِقَتِهِ بِاَللَّهِ , وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قوله تعالى: {فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلَّا الضَّالُّونَ} وَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ الْإِيَاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ أَيْضًا إنْ أَيِسَ مِنْ اللَّهِ , وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَصَحَّ , ثُمَّ ظَهَرَ لِي الْجَزْمُ بِأَنَّ الْإِيَاسَ مِنْ اللَّهِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا كُفْرٌ أَيْضًا , وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَاتِ , وَأَمَّا الْإِيَاسُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا مِنْ جَانِبِ الْخَلْقِ فَلَا يَاسَ بِهِ , بَلْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَاتِيهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ , وَيَاتِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ الْأَخِيرِ تَبْيِينُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ ,.
الْخَوْفُ هُنَا الْإِشْفَاقُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَضِدُّهُ الْأَمْنُ , وَالرَّجَاءُ الطَّمَعُ وَضِدُّهُ الْيَاسُ , وَهُمَا يَثْبُتَانِ فِي الْقَلْبِ بِعَدَمِ الْأَمْنِ فِيهِ وَالْخَوْفُ زَاجِرٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ لِلْعِقَابِ عَلَيْهَا , وَالرَّجَاءُ دَاعٍ إلَى الطَّاعَةِ لِلثَّوَابِ عَلَيْهَا , وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ: أَنَّ الْخَوْفَ رِعْدَةٌ تَحْدُثُ فِي الْقَلْبِ عَنْ ظَنِّ الْمَكْرُوهِ يَنَالُهُ وَالْخَشْيَةُ نَحْوُهُ , لَكِنْ تَقْتَضِي ضَرْبًا مِنْ الِاسْتِعْظَامِ وَالْمَهَابَةِ , وَضِدُّ الْخَوْفِ: الْجُرْأَةُ وَلَكِنْ قَدْ يُقَابَلُ بِالْأَمْنِ لِأَنَّ الْآمِنَ يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمُقَدِّمَاتُ الْخَوْفِ أَرْبَعٌ: الْأُولَى: ذِكْرُ الذُّنُوبِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي سَبَقَتْ وَكَثْرَةِ الْخُصُومِ الَّذِينَ لَهُمْ عَلَيْكَ مَظَالِمُ وَأَنْتَ مُرْتَهَنٌ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ الْخَلَاصُ. وَالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ شِدَّةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا طَاقَةَ لَكَ بِهَا وَالثَّالِثَةُ: ذِكْرُ ضَعْفِ نَفْسِكَ عَنْ احْتِمَالِهَا وَالرَّابِعَةُ: ذِكْرُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ , وَالرَّجَاءُ: ابْتِهَاجُ الْقَلْبِ بِمَعْرِفَةِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِرَاحَتُهُ إلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَوَاطِرِ غَيْرُ مَعْذُورٍ لِلْعَبْدِ ; وَرَجَاءٌ هُوَ مَعْذُورٌ وَهُوَ تَذَكُّرُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ , وَالْمُرَادُ التَّذَكُّرُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِرْوَاحِ وَضِدُّهُ الْإِيَاسُ وَهُوَ تَذَكُّرُ فَوَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ وَقَطْعِ الْقَلْبِ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ , وَهَذَا الرَّجَاءُ فَرْضٌ إذْ لَا سَبِيلَ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِيَاسِ إلَّا هُوَ , وَكَذَا الْخَوْفُ فَرْضٌ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَمْنِ إلَّا هُوَ وَمُقَدِّمَاتُ الرَّجَاءِ أَرْبَعٌ: الْأُولَى: ذِكْرُ سَوَابِقِ فَضْلِهِ إلَيْكَ مِنْ غَيْرِ قَدَمٍ أَوْ شَفِيعٍ. وَالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ مَا وَعَدَ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ وَعَظِيمِ كَرَامَتِهِ بِحَسَبِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ دُونَ اسْتِحْقَاقٍ بِالْفِعْلِ , إذْ لَوْ كَانَ عَلَى حَسَبِ الْفِعْلِ لَكَانَ أَقَلَّ شَيْءٍ وَأَصْغَرَ أَمْرٍ الثَّالِثَةُ: تَذَكُّرُ أَنَّهُ يُعْطِي عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ سَعَةِ رَحْمَتِهِ وَسَبَقَهُ لِغَضَبِهِ وَأَنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْغَنِيُّ الْكَرِيمُ الرَّءُوفُ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (لَزِمَ الْمُكَلَّفَ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ) الْخَوْفُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ وَالرَّجَاءُ لِرِضَى اللَّهِ وَثَوَابِهِ (بِلَا حَدٍّ) يَعْلَمُهُ الْمُكَلَّفُ فَيَزُولُ عَنْهُ الْخَوْفُ فَيَكُونُ فِي أَمْنٍ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ , أَوْ يَزُولُ عَنْهُ الرَّجَاءُ فَيَيْأَسُ مِنْ رِضَاهُ وَثَوَابِهِ. (وَ) لَهُمَا حَدٌّ (يَعْلَمُهُ اللَّهُ) إذَا وَصَلَهُ الْمُكَلَّفُ بِكَسْبِهِ كَانَ فِي أَمْنٍ أَوْ فِي إيَاسٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهُوَ طِبْقٌ لِمَا عَلِمَهُ مِنْهُ فِي الْأَزَلِ لَا يُخَالِفُهُ , فَبِاعْتِبَارِ الْأَزَلِ السَّعِيدُ فِي الْأَمْنِ وَالشَّقِيُّ فِي الْإِيَاسِ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِّ فَهُوَ وَاجِبٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ وَصَلَ الْحَدَّ؟ وَأَخْفَى ذَلِكَ لِيَجْتَهِدُوا كَمَا أُخْفِيَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَسَاعَةُ الْإِجَابَةِ فِي الْجُمُعَةِ , وَقِيلَ: السَّاعَةُ الْأَخِيرَةُ , وَالْمَوْتُ وَقِيَامُ السَّاعَةِ وَالذَّنْبُ الَّذِي يَسْخَطُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحَيسَنَةُ الَّتِي يَرْضَى بِهَا عَنْهُ لِيَجْتَهِدُوا فِي تَرْكِ مَا يُتْرَكُ كُلُّهُ , وَفِعْلِ الطَّاعَةِ , وَكَذَلِكَ أَخْفَى أَيْضًا حَدَّ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَلَوْ رَضِيَا عَنْهُ لِإِمْكَانِ أَنْ يَرْضَيَا عَنْهُ قَبْلَ بُلُوغِ حَدِّهِ , وَكَذَلِكَ أَخْفَى حَدَّ التَّوْبَةِ وَأَخْفَى حَدَّ الْوَزْنِ , وَأَوَّلَ الْبُلُوغِ , وَأَوَّلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ , وَعَنْ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ: أَنَّ اللَّهَ