فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 167

تَعَالَى خَبَّأَ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثٍ:. رِضَاهُ فِي طَاعَتِهِ , فَلَا تَحْقِرُوا مِنْهَا شَيْئًا فَلَعَلَّ رِضَاهُ فِيهِ , وَغَضَبَهُ فِي مَعَاصِيهِ فَلَا تَحْقِرُوا مِنْهَا شَيْئًا فَلَعَلَّ غَضَبَهُ فِيهِ , وَخَبَّأَ وَلِيَّهُ فِي عِبَادِهِ فَلَا تَحْقِرُوا مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَعَلَّهُ وَلِيُّ اللَّهِ. وَكَذَلِكَ أَخْفَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى , وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ , وَقِيَامَ السَّاعَةِ , وَوَقْتَ الْمَوْتِ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِلَا غَايَةٍ يَبْلُغُهَا الْمُكَلَّفُ فِي خَوْفِهِ وَرَجَائِهِ فَيَكُونُ قَدْ بَلَغَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهِمَا , وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُمَا حَدًّا يَعْلَمُهُ الْمُكَلَّفُ لِيَجْتَهِدَ فِي الطَّاعَةِ وَيَنْزَجِرَ عَنْ الْمَعَاصِي أَبَدًا فَذَلِكَ أَصْلَحُ لَهُ وَأَوْفَرُ فِي ثَوَابِهِ وَنَجَاتِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ يَذْكُرُ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ عَمَّا فِي الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ مَعَ أَنَّ ذِكْرَ أَحَدِهِمَا يَكْفِي لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْخَوْفِ لَتُوُهِّمَ الْخَوْفُ الْغَالِبُ أَوْ الْإِيَاسُ إذْ قَدْ يَتَيَقَّنُ الْإِنْسَانُ بِمُكْرَهٍ فَيُطْلِقُ عَلَيْهِ الْخَوْفَ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَرِهَهُ , وَتَوَقَّعَ حُضُورَهُ , وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الرَّجَاءِ لَتُوُهِّمَ الرَّجَاءُ الْغَالِبُ أَوْ الْأَمْنُ إذْ قَدْ يَتَيَقَّنُ الْإِنْسَانُ مَحْبُوبًا فَيُطْلِقُ عَلَيْهِ الرَّجَاءَ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُحِبُّهُ وَيَتَمَنَّى وُقُوعَهُ , وَإِلَّا فَالْخَوْفُ فِيهِ طَرَفٌ مِنْ الرَّجَاءِ , وَالرَّجَاءُ فِيهِ طَرَفٌ مِنْ الْخَوْفِ , فَعَلَيْكَ أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ بِقَطْعِ هَذِهِ الْعَقَبَةِ فِي تَمَامِ الِاحْتِيَاطِ وَالتَّحَرُّزِ وَجَدِّ الرِّعَايَةِ فَإِنَّهَا عَقَبَةٌ دَقِيقَةُ الْمَسَالِكِ خَطِرَةُ الطَّرِيقِ , وَذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَهَا بَيْنَ طَرِيقِينَ مَخُوفَيْنِ مُهْلِكَيْنِ , طَرِيقُ الْأَمْنِ وَطَرِيقُ الْإِيَاسِ. وَطَرِيقُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ هُوَ طَرِيقُ الْعَدْلِ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ الْجَائِرَيْنِ , فَإِنْ غَلَبَ الرَّجَاءُ عَلَيْكَ حَتَّى فَقَدْتَ الْخَوْفَ أَلْبَتَّةَ وَقَعْتَ فِي طَرِيقِ الْأَمْنِ: {فَلَا يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} وَإِنْ غَلَبَ الْخَوْفُ حَتَّى فَقَدْتَ الرَّجَاءَ وَقَعْتَ فِي طَرِيقِ الْإِيَاسِ: {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} فَإِنْ رَكِبْتَ طَرِيقًا بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ فَهُوَ الطَّرِيقُ الْعَدْلُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي هُوَ سَبِيلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} . فَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ: طَرِيقُ الْأَمْنِ وَالْجُرْأَةِ , وَطَرِيقُ الْإِيَاسِ وَالْقُنُوطِ , وَطَرِيقُ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ مُمْتَدٌّ بَيْنَهُمَا , فَإِنْ مِلْتَ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا بِقَدَمٍ وَقَعْتَ فِي الْهَلَاكِ وَهَلَكْتَ مَعَ الْهَالِكِينَ , فَلَا تَنْظُرْ إلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ فَقَطْ فَتَامَنْ , وَلَا إلَى عِظَمِ الْهَيْبَةِ وَالْمُنَاقَشَةِ فَتَقْنَطْ , بَلْ خُذْ مِنْهُمَا مَعًا فَتَرْكَبْ طَرِيقَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} الْآيَةَ وَلَا يَتَأَتَّى سُلُوكُ هَذِهِ الطَّرِيقِ بِاجْتِنَابِ الْمَحْبُوبِ عِنْدَ النَّفْسِ وَاكْتِسَابِ الطَّاعَةِ الثَّقِيلَةِ إلَّا بِالتَّحَفُّظِ بِثَلَاثَةِ أُصُولٍ: الْأَوَّلُ: ذِكْرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ , وَالثَّانِي: ذِكْرُ أَفْعَالِهِ فِي الْعَفْوِ وَالْأَخْذِ , وَالثَّالِثُ: ذِكْرُ جَزَائِهِ فِي الْمَعَادِ مِنْ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. فَالتَّرْهِيبُ وَالتَّرْغِيبُ كَقَوْلِهِ: {يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ} {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} الْآيَةَ , {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} , {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} - {وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} - {وَقَدِمْنَا إلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ} الْآيَةَ , وقوله تعالى: {لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} الْآيَةَ , {وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ} {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} - {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ} - {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} - الْآيَةَ - {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} - {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} وَقَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّرْهِيبِ وَالتَّرْغِيبِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ تَخْوِيفًا فِي تَامِينٍ وَتَحْرِيكًا فِي تَسْكِينٍ , فَتَكُونُ الطَّرِيقُ عَدْلًا فَلَا يَذْهَبُ الْقَلْبُ فِي أَمْنٍ أَوْ إيَاسٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت