قِبَلِكَ فَإِنَّكَ عَادِلٌ لَا تَظْلِمُ فَلَوْلَا الذُّنُوبُ لَمَا كَانَ لِلْخَوْفِ مَعْنًى وَأَمَّا الرَّجَاءُ فَمِنْ قِبَلِكَ لِأَنَّكَ مُتَفَضِّلٌ لَا مِنْ قِبَلِي لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مِنْ الطَّاعَاتِ وَالْمَحَاسِنِ مَا أَرْتَجِيكَ بِهَا وَالشِّقُّ الثَّانِي عِنْدَنَا صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّا نَقُولُ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى يُخَافُ مِنْ قِبَلِهِ كَمَا يُخَافُ مِنْ قِبَلِنَا لِأَنَّهُ الْمَلِكُ الْقَهَّارُ يَخَافُهُ الطَّائِعُونَ وَالْعُصَاةُ وَهَذَا وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ ا هـ. (قَوْلُهُ: وَاعْرِضْ) بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ مِنْ عَرَضَ لِأَنَّهُ الْمُتَعَدِّي لَا مِنْ أَعْرَضَ اللَّازِمِ وَقَدْ خَالَفَ هَذَا الْفِعْلُ وَمِثْلُهُ كَيْفِيَّةُ الْأَفْعَالِ فِي أَنَّ الْمَبْدُوءَ بِالْهَمْزَةِ لَازِمٌ وَبِدُونِهَا مُتَعَدٍّ (قَوْلُهُ: التَّوْبَةُ) وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الرُّجُوعُ فَهِيَ رُجُوعٌ عَنْ الْمَذْمُومِ شَرْعًا قِيلَ وَهِيَ أَوَّلُ مَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ السَّالِكِينَ وَأَوَّلُ مَقَامٍ مِنْ مَقَامِ الطَّالِبِينَ (قَوْلُهُ: وَهِيَ النَّدَمُ) قَالَ صلى الله عليه وسلم {النَّدَمُ تَوْبَةٌ} أَيْ مُعْظَمُ أَرْكَانِهَا كَمَا يُقَالُ {الْحَجُّ عَرَفَةَ} وَإِنَّمَا كَانَ مُعْظَمُ أَرْكَانِهَا النَّدَمَ لِأَنَّهُ يَسْتَتْبِعُ الْبَقِيَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ نَادِمًا عَلَى مَا هُوَ مُصِرٌّ عَلَى مِثْلِهِ أَوْ عَازِمٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ (قَوْلُهُ: وَتَتَحَقَّقُ) أَيْ التَّوْبَةُ وَتَحَقُّقُهَا بِمَا ذَكَرَهُ مَحَلُّهُ فِي التَّوْبَةِ بَاطِنًا أَمَّا فِي الظَّاهِرِ لِتُقْبَلَ شَهَادَتُهُ وَتَعُودُ وَلَايَتُهُ فَلَا بُدَّ فِي تَحَقُّقِهَا مَعَ ذَلِكَ فِي الْمَعْصِيَةِ الْقَوْلِيَّةِ مِنْ الْقَوْلِ كَقَوْلِهِ فِي الْقَذْفِ قَذْفٌ بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعُودُ إلَيْهِ وَفِي الْفِعْلِيَّةِ كَالزِّنَا وَفِي شَهَادَةِ الزُّورِ وَقَذْفِ الْإِيذَاءِ مِنْ اسْتِبْرَاءِ سَنَةٍ. ا هـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَتَدَارُكِ مُمْكِنَ التَّدَارُكِ) أَفَادَ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي التَّوْبَةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا وَخَالَفَ فِيهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الشَّامِلِ وَالْآمِدِيُّ فَقَالُوا لَيْسَ مُعْتَبَرًا فِيهَا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ بِرَاسِهِ لَا تَعَلُّقَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَأَتَى بِإِحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ا هـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ فِيمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ) مَا وَاقِعَةٌ عَلَى أَرْكَانِ التَّوْبَةِ أَيْ وَعَدَمُ الْخُرُوجِ عَنْ الْكُلِّ صَادِقٌ بِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْكُلِّ وَعَلَى الْبَعْضِ (قَوْلُهُ: عَنْ ذَنْبٍ) فِي التَّنْكِيرِ إشَارَةٌ إلَى صِحَّةِ التَّوْبَةِ عَنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ فَالتَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ مَعَ الْإِصْرَارِ لِلتَّوْضِيحِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا تَصِحُّ عَنْ صَغِيرٍ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَعْبِيرُهُ بِلَا يَصِحُّ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي التَّوْبَةِ عَنْ الصَّغِيرِ فِي الصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا وَهُوَ صَحِيحٌ تَغْلِيبًا لَكِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ عِنْدَ غَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِهَا وَعَدَمِهِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِتَعْلِيلِهِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ لِتَكْفِيرِهِ بِاجْتِنَابِ الْكَبِيرِ. وَتَوَقَّفَ السُّبْكِيُّ فِي وُجُوبِهَا مِنْ الصَّغِيرَةِ عَيْنًا لِتَكْفِيرِهَا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَاجِبَ لَهَا التَّوْبَةُ وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَخَالَفَهُ ابْنُهُ الْمُصَنِّفُ فَقَالَ: الَّذِي أَرَاهُ وُجُوبُ التَّوْبَةِ لَهَا عَيْنًا عَلَى الْفَوْرِ نَعَمْ إنْ فُرِضَ عَدَمُ التَّوْبَةِ عَنْهَا حَتَّى اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ كُفِّرَتْ وَمَا أَرَاهُ يَرْجِعُ إلَى مَا رَجَّحَهُ الْجُمْهُورُ ا هـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: لِتَكْفِيرِهِ) فَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ عَلَى هَذَا عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ.
(رَجَاءً) لَا جَزْمًا , لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ رحمه الله خَائِفٌ رَاجٍ وَلَوْ فِيمَا لَا يَعْرِضُ فِيهِ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ , وَهُوَ مَا عَدَا أُمُورَ الْآخِرَةِ وَأَعْمَالَهَا وَأَعْمَالَ الْعِقَابِ , فَإِنَّ مَا عَدَاهَا لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ فِيهِ بِعَدَمِ اسْتِحْضَارِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ , وقوله تعالى: {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} .
وَلَوْ كَانَ وَارِدًا عَقِبَ ذِكْرِ الْإِيَاسِ مِنْ أَمْرٍ غَيْرِ الْجَنَّةِ وَغَيْرِ رِضَى اللَّهِ , لَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى وُجُوبِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ فِي غَيْرِ أَمْرِ الْآخِرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْكُفْرُ لَيْسَ مِنْ سَبَبِ الْإِيَاسِ مِنْ أَمْرٍ غَيْرِ الْآخِرَةِ , بَلْ إنَّ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ يَدْعُوهُ طَبْعُهُ إلَى