كَرَّمَهُ وَلَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ الْجَلَالِ كَالْقَهَّارِ لَذَابَ الْعَبْدُ مِنْ هَذَا الْخِطَابِ وَتَلَاشَى فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَمَاسَكَ إلَى الْجَوَابِ وَقَالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ فِي قوله تعالى {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} إشَارَةٌ إلَى سَبْقِ الْغُفْرَانِ وَغَلَبَةِ الرَّحْمَةِ قَدْ يُشِيرُ كَلَامُ الشَّارِحِ إلَى مَعْنًى آخَرَ أَيْضًا وَهُوَ تَوْبِيخُ الْعَاصِي بِأَنَّ ارْتِكَابَهُ إلَى الْمَعْصِيَةِ غَيْرُ لَائِقٍ بِهِ فَإِنَّ شَانَ الْعَبْدِ عَدَمُ الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْمَالِكِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَمَالِ بَاشَا فِي شَرْحِ فَوَائِدِهِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قوله تعالى {إنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الْآيَةَ ظَاهِرُهُ تَعْلِيلٌ وَبَيَانٌ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ الْعَذَابَ حَيْثُ كَانُوا عِبَادًا لِلَّهِ وَعَبَدُوا غَيْرَهُ وَبَاطِنُهُ اسْتِعْطَافٌ لَهُمْ وَطَلَبُ رَافَةٍ بِهِمْ وقوله تعالى {فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} يَعْنِي لَا شَيْنَ لِشَانِكَ فِي عَدَمِ مُؤَاخَذَتِهِمْ بِالْعَذَابِ لِأَنَّكَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَظِنَّةِ الْعَجْزِ وَالْقُصُورِ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَفِيهِ تَلْوِيحٌ إلَى أَنَّ مَغْفِرَةَ الْكَافِرِينَ لَا تُنَافِي الْحِكْمَةَ وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ نَفْيَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيِّينَ ا هـ. (قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرَ الشِّرْكِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرِكَ بِهِ وَيَغْفِرَ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (قَوْلُهُ: فَيَغْفِرُ لَهُمْ) أَيْ لِيَتَحَقَّقَ كَوْنُهُ غَفُورًا وَإِلَّا فَلَوْ لَمْ يُذْنِبُوا لَتَعَطَّلَ كَوْنُهُ غَفُورًا وَهُوَ مِنْ بَابِ تَقْوِيَةِ الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ فِي الْعَفْوِ لَا الْحَمْلِ عَلَى إيقَاعِ الذُّنُوبِ يُحْكَى عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ قَالَ كُنْتُ أَنْتَظِرُ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ خُلُوَّ الْمَطَافِ فَكَانَتْ لَيْلَةٌ ظَلْمَاءُ بِهَا مَطَرٌ شَدِيدٌ فَخَلَا الطَّوَافُ فَدَخَلْتُ الطَّوَافَ وَكُنْت أَقُولُ اللَّهُمَّ أَعْصِمْنِي فَسَمِعْتُ هَاتِفًا يَقُولُ يَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ أَنْتَ سَأَلْتَنِي الْعِصْمَةَ وَكُلُّ النَّاسِ يَسْأَلُونِي الْعِصْمَةَ فَإِذَا عَصَمْتُهُمْ فَمَنْ أَرْحَمُ وَعَلَى مَنْ أَتَكَرَّمُ؟. وَرَأَى أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سُرَيْجٍ فِي مَنَامِهِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَإِذَا الْجَبَّارُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ أَيْنَ الْعُلَمَاءُ قَالَ فَجَاءُوا ثُمَّ قَالَ مَاذَا عَمِلْتُمْ فِيمَا عَلِمْتُمْ قَالَ فَقُلْنَا يَا رَبِّ قَصَّرْنَا وَأَسَانَا قَالَ فَأَعَادَ السُّؤَالَ كَأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ وَأَرَادَ جَوَابًا آخَرَ فَقُلْتُ أَمَّا أَنَا فَلَيْسَ فِي صَحِيفَتِي الشِّرْكُ وَقَدْ وَعَدْتُ أَنْ تَغْفِرَ مَا دُونَهُ فَقَالَ اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ كَذَا رَوَى الْقُشَيْرِيُّ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ الْكُبْرَى هَذِهِ الْحِكَايَةَ بِوَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ لَنَا يَوْمًا أَحْسَبُ أَنَّ الْمَنِيَّةَ قَدْ قَرُبَتْ فَقُلْنَا وَكَيْفَ قَالَ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَالنَّاسُ قَدْ حُشِرُوا وَكَانَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِمَ أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ فَقُلْتُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ فَقَالَ مَا سُئِلْتُمْ عَنْ الْأَقْوَالِ بَلْ سُئِلْتُمْ عَنْ الْأَعْمَالِ فَقُلْتُ أَمَّا الْكَبَائِرُ فَقَدْ اجْتَنَبْنَاهَا وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَعَوَّلْنَا فِيهَا عَلَى عَفْوِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ا هـ. وَيُعْجِبُنِي قَوْلُ أَبِي نُوَاسٍ: يَا رَبِّ إنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً فَلَقَدْ عَلِمْتَ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ إنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إلَّا مُحْسِنٌ فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ مَالِي إلَيْكَ وَسِيلَةٌ إلَّا الرَّجَا وَعَظِيمُ عَفْوِكَ ثُمَّ إنِّي مُسْلِمُ ثُمَّ إنَّ الرَّجَا عَلَى ثَلَاثَةٍ رَجُلٌ عَمِلَ حَسَنَةً فَهُوَ يَرْجُو قَبُولَهَا وَرَجُلٌ عَمِلَ سَيِّئَةً ثُمَّ تَابَ فَهُوَ يَرْجُو الْمَغْفِرَةَ وَالثَّالِثُ الرَّجَا الْكَاذِبُ وَصَاحِبُهُ يَتَمَادَى فِي الذُّنُوبِ وَيَقُولُ أَرْجُو الْمَغْفِرَةَ وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالْإِسَاءَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ غَالِبًا فَالْعَبْدُ يَكُونُ دَائِمًا بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَقَدْ يَغْلِبُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَفِي الطَّبَقَاتِ لِلْمُصَنَّفِ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ اللَّهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَافُكَ مِنْ قِبَلِي وَلَا أَخَافُك مِنْ قِبَلِك أَوْ أَرْجُوكَ مِنْ قِبَلِكَ وَلَا أَرْجُوك مِنْ قِبَلِي قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالنَّاسُ يَسْتَحْسِنُونَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْخَوْفَ مِنْ قِبَلِي لِمَا اقْتَرَفْتُهُ مِنْ الذُّنُوبِ لَا مِنْ