(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تُطِعْكَ) ضَمَّنَهُ مَعْنَى تُوَافِقُكَ فَعَدَّاهُ بِعَلَى حَيْثُ قَالَ عَلَى اجْتِنَابِ (قَوْلُهُ: فَجَاهِدْهَا وُجُوبًا) قَدْ يُقَالُ هَلَّا قَالَ أَوْ نَدْبًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخَاطِرَ الْمَذْكُورَ قَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى وَكَانَ وَجْهُ التَّقْيِيدِ بِالْوُجُوبِ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَغْفُورَانِ لِأَنَّ الْغُفْرَانَ إنَّمَا يُنَاسِبُ الْوَاجِبَاتِ إذْ لَا مُؤَاخَذَةَ بِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ التَّعْمِيمُ فِي الْغُفْرَانِ وَالْمُؤَاخَذَاتِ فَلْيُتَأَمَّلْ ا هـ. سم. ثُمَّ إنَّ أَصْلَ الْمُجَاهَدَةِ وَمِلَاكَهَا وَظُلْمَ النَّفْسِ عَلَى الْمَالُوفَاتِ وَحَمْلَهَا عَلَى خِلَافِ هَوَاهَا فِي عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَلِلنَّفْسِ صِفَتَانِ انْهِمَاكٌ فِي الشَّهَوَاتِ وَامْتِنَاعٌ عَنْ الطَّاعَاتِ فَإِذَا جَمَحَتْ عِنْدَ رُكُوبِ الْهَوَى يَجِبُ أَنْ يُلْجِمَهَا بِلِجَامِ التَّقْوَى وَإِنْ حَرَنَتْ عِنْدَ الْقِيَامِ بِالْمُوَافَقَاتِ يَجِبُ سَوْقُهَا عَلَى خِلَافِ الْهَوَى وَمِنْ غَوَامِضِ آفَاتِهَا رُكُونُهَا إلَى اسْتِحْلَاءِ الْمَدْحِ وَأَشَدُّ إحْكَامِهَا وَأَصْعَبُهَا تَوَهُّمُهَا أَنَّ شَيْئًا مِنْهَا حَسَنٌ وَأَنَّ لَهَا اسْتِحْقَاقَ قَدْرٍ قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْخَيْرِيُّ لَا يَرَى أَحَدٌ عُيُوبَ نَفْسِهِ وَهُوَ يَسْتَحْسِنُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا يَرَى عُيُوبَ نَفْسِهِ مَنْ يَتَّهِمُهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَيُحْكَى عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْبِسْطَامِيِّ قَالَ رَأَيْتُ رَبِّي فِي الْمَنَامِ فَقُلْت كَيْفَ أُحِبُّكَ فَقَالَ فَارِقْ نَفْسَكَ وَتَعَالَ وَفِي مُخْتَصَرِ الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْخٌ أَنْ يَعْمَلَ بِهَذِهِ التِّسْعَةِ أُمُورٍ حَتَّى يَجِدَ الشَّيْخَ وَهِيَ الْجُوعُ وَالسَّهَرُ وَالصَّمْتُ وَالْعُزْلَةُ وَالصِّدْقُ وَالصَّبْرُ وَالتَّوَكُّلُ وَالْعَزِيمَةُ وَالْيَقِينُ , وَإِنَّمَا كَانَتْ تِسْعَةً لِأَنَّ بَسَائِطَ الْأَعْدَادِ وَالْأَفْلَاكِ أَيْضًا تِسْعَةٌ وَلَهَا حِكْمَةٌ إلَهِيَّةٌ يَعْرِفُهَا أَهْلُ اللَّهِ. (قَوْلُهُ: فَتُبْ عَلَى الْفَوْرِ) فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَفِي الْحَدِيثِ {التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ} قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: إنَّ الْعَبْدَ إذَا تَفَكَّرَ فِي قَلْبِهِ سُوءَ مَا يَصْنَعُهُ وَأَبْصَرَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيحِ الْأَفْعَالِ سَنَحَ فِي قَلْبِهِ إرَادَةُ التَّوْبَةِ وَالْإِقْلَاعُ عَنْ قَبِيحِ الْمُعَامَلَةِ فَيَمُدُّهُ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ بِتَصْحِيحِ الْعَزِيمَةِ وَالتَّأَهُّبِ لِأَسْبَابِ التَّوْبَةِ قَالَ الْجُنَيْدُ دَخَلَ عَلَيَّ السَّرِيُّ يَوْمًا فَرَأَيْتُهُ مُتَغَيِّرًا فَقُلْت لَهُ مَا لَك فَقَالَ دَخَلْتُ عَلَى شَابٍّ فَسَأَلَنِي عَنْ التَّوْبَةِ فَقُلْتُ لَهُ أَنْ لَا تَنْسَى ذَنْبَكَ فَعَارَضَنِي وَقَالَ بَلْ التَّوْبَةُ أَنْ تَنْسَى ذَنْبَكَ , فَقُلْتُ لَهُ إنَّ الْأَمْرَ عِنْدِي مَا قَالَهُ الشَّابُّ فَقَالَ لِمَ؟ فَقُلْتُ إذَا كُنْتُ فِي حَالِ الْجَفَا فَنَقَلَنِي إلَى حَالِ الْوَفَا فَذِكْرُ الْجَافِي حَالَ الصَّفَا جَفَا فَسَكَتَ. (قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ تُقْلِعْ عَنْ فِعْلِ الْخَاطِرِ) وَمِنْهُ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِأَنَّهُ كَفُّ النَّفْسِ وَهُوَ فِعْلٌ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: فَتَذَكَّرْ هَاذِمَ اللَّذَّاتِ) ذَكَرَهُ فِي عَدَمِ الْإِقْلَاعِ لِلِاسْتِلْذَاذِ وَالْكَسَلِ وَذَكَرَ فِي عَدَمِ الْإِقْلَاعِ لِلْقُنُوطِ خَوْفَ الْمَقْتِ لِنَوْعِ مُنَاسَبَةٍ وَإِلَّا فَيَصِحُّ الْعَكْسُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ إلَخْ) يُفَسَّرُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ مَا ذُكِرَ فِي قَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا كَثَّرَهُ وَلَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَلِ إلَّا قَلَّلَهُ. (قَوْلُهُ: أَيْ شِدَّةَ عِقَابِ مَالِكَ) فِي التَّعْبِيرِ بِالْمَالِكِ وَالْعَبْدِ بَدَلُ الضَّمِيرِ فِيهِمَا مَعَ أَنَّ الْمَقَامَ لَهُ مِنْ حُسْنِ الصَّنِيعِ مَا لَا يَخْفَى فَإِنَّ فِيهِ مَعَ صِنَاعَةِ الطِّبَاقِ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ الْعَاصِيَ لَا تُخْرِجُهُ مَعْصِيَتُهُ الَّتِي سَوَّلَتْهَا رُعُونَةُ النَّفْسِ عَنْ مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ فَإِنَّ الْعَبْدَ إنْ أَبَقَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى سَيِّدِهِ وَرُجُوعُ الْعَاصِي بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّهَا رُجُوعُ وَلِيِّ اللَّهِ فَالتَّوْبَةُ مِنْ اللَّهِ إلَى اللَّهِ بِاَللَّهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا رَوَى الْقُشَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ أَنَّهُ قَالَ تَابَ بَعْضُ الْمُرِيدِينَ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ فَتْرَةٌ وَكَانَ يُفَكِّرُ وَقْتًا لَوْ عَادَ إلَى التَّوْبَةِ كَيْفَ حُكْمُهُ فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ يَا أَبَا فُلَانٍ أَطَعْتَنَا فَشَكَرْنَاكَ ثُمَّ تَرَكْتَنَا فَأَهْمَلْنَاكَ فَإِنْ عُدْتَ إلَيْنَا قَبِلْنَاكَ ا هـ. وَمِنْ لَطَائِفِ التَّنْزِيلِ {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّك بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} فَإِنَّ فِيهِ إيمَاءً إلَى الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ