فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 167

والسلام:" {مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَنَدِمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ} . الْحَلِيمِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَعَ النَّدَمِ لِتَتِمَّ التَّوْبَةُ , وَأَمَّا الرَّجَاءُ فَهُوَ الطَّمَعُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ حُسْنِ الطَّاعَةِ. وَأَمَّا الْخَوْفُ فَهُوَ تَأَلُّمُ الْقَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَأَمَّا التَّذَكُّرُ فَهُوَ التَّفْكِيرُ فِي نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيْثُ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ. وَأَمَّا الشُّكْرُ فَهُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِذِكْرِ إحْسَانِهِ وَيَكُونُ بِالْقَلْبِ خُضُوعًا وَبِاللِّسَانِ ثَنَاءً وَاعْتِرَافًا , وَبِالْجَوَارِحِ طَاعَةً وَانْقِيَادًا (وَيَتَقَرَّبُ) التَّائِبُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (بِمَا تَيَسَّرَ لَهُ) فِعْلُهُ وَإِنْ قَلَّ (مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ) كَالصَّلَاةِ لِمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ اللَّهِ:" {وَمَا زَالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ} "الْحَدِيثُ. (وَكُلُّ مَا ضَيَّعَ) التَّائِبُ (مِنْ فَرَائِضِهِ) الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (فَلْيَفْعَلْهُ الْآنَ) وُجُوبًا عَلَى الْفَوْرِ مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ , فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ قَضَى مَا اسْتَطَاعَ مَعَ شُغْلِهِ , وَإِنْ لَمْ يَحْصُرْ مَا عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ مَثَلًا تَحَرَّى وَاحْتَاطَ لِدِينِهِ بِلَا وَسْوَسَةٍ (وَ) إذَا فَعَلَ التَّائِبُ مَا ضَيَّعَهُ مِنْ الْفَرَائِضِ (فَلْيَرْغَبْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي تَقَبُّلِهِ) مِنْهُ وَيَخَافُ (وَيَتُوبُ إلَيْهِ) مِمَّا صَدَرَ مِنْهُ (مِنْ تَضْيِيعِهِ) لِلْفَرَائِضِ (وَلْيَلْجَا) أَيْ يَتَضَرَّعُ (إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (فِيمَا عَسُرَ عَلَيْهِ مِنْ قِيَادِ نَفْسِهِ) إلَى الطَّاعَةِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْمُيَسِّرُ وَالْمُسَهِّلُ بِيَدِهِ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْهِيلُ , وَلْيَكُنْ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ مَلِّكْنَا أَنْفُسَنَا وَلَا تُسَلِّطُهَا عَلَيْنَا (وَ) يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ فِيهِ (مُحَاوَلَةِ أَمْرِهِ) أَيْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ فِي حَالِهِ مِمَّا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ رُشْدُهُ وَلَا غَيُّهُ. لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِهِ (مُوقِنًا) أَيْ مُصَدِّقًا (أَنَّهُ الْمَالِكُ لِصَلَاحِ شَانِهِ) أَيْ حَالِهِ (وَ) الْمَالِكُ (لِتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ) هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ (لَا يُفَارِقُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ اللَّجَأِ وَالْيَقِينِ (عَلَى مَا فِيهِ) أَيْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ هُوَ فِيهَا (مِنْ حَسَنٍ) وَهُوَ الطَّاعَةُ (أَوْ قَبِيحٍ) وَهُوَ الْمَعْصِيَةُ , وَلَا يَمْنَعُهُ الذَّنْبُ مِنْ ذَلِكَ لقوله تعالى:" {إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} "وَالتَّوَّابُ هُوَ الَّذِي كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ (وَلَا يَيْأَسُ) أَيْ لَا يَقْنَطُ الْعَبْدُ (مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ السُّوءِ لقوله تعالى: {إنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (وَالْفِكْرَةُ) أَيْ التَّفَكُّرُ (فِي أَمْرِ اللَّهِ) تَعَالَى أَيْ مَخْلُوقَاتِهِ (مِفْتَاحُ الْعِبَادَةِ وَاسْتَعِنْ) عَلَى نَفْسِك (بِذِكْرِ الْمَوْتِ) لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" {أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ قَصُرَ أَمَلُهُ وَكَثُرَ عَمَلُهُ وَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ كَثُرَ أَمَلُهُ وَقَلَّ عَمَلُهُ} ". (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا (بِالْفِكْرَةِ فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَوْتِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ أَشَدُّ مِمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ كَحَزْقَةِ الْقَبْرِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالْفِكْرَةِ (فِي نِعْمَةِ رَبِّك عَلَيْك) ; لِأَنَّك إذَا تَفَكَّرْت فِي نِعَمِهِ عَلَيْك اسْتَحْيَيْت أَنْ تُبَارِزَهُ بِالْمَعَاصِي وَهُوَ يُنْعِمُ عَلَيْك (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالْفِكْرَةِ (فِي إمْهَالِهِ لَك) وَأَنْتَ تَعْصِيهِ (وَ) فِي (أَخْذِهِ لِغَيْرِك) مِنْ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ (بِذَنْبِهِ) فِي الْحَالِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ (فِي) مَا تَقَدَّمَ مِنْ (سَالِفِ ذَنْبِك) وَخَفْ الْأَخْذَ بِهِ (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ فِي (عَاقِبَةِ أَمْرِك) إذْ لَا تَدْرِي بِمَاذَا يَخْتِمُ اللَّهُ لَك (وَ) اسْتَعِنْ عَلَيْهَا أَيْضًا بِالتَّفَكُّرِ فِي (مُبَادَرَةِ) أَيْ مُسَارَعَةِ (مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ مِنْ أَجَلِك) هَلْ هُوَ يَوْمٌ أَوْ أَقَلُّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَهِّلُ الطَّاعَةَ وَيُقِلُّ الْأَمَلَ وَالْحِرْصَ عَلَى الدُّنْيَا , وَلِأَنَّهُ إذَا تَفَكَّرَ فِي الْمَوْتِ أَتَاهُ وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لَهُ وَإِلَّا أَتَاهُ بَغْتَةً فَيَنْدَمُ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ , فَيَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت