فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 167

شريك؛ ولتتلقى منه الشريعة والقيم بلا منازع؛ ولتعبده وحده حق عبادته بلا انداد. . فكل ما يخرج على قاعدة التوحيد في معناها الشامل، فهو زائف باطل، مناقض للحق الكامن في بنية الكون. ومن ثم فهو واه هزيل، لا يحمل قوة ولا سلطانا، ولا يملك أن يؤثر في مجرى الحياة؛ بل لا يملك عناصر الحياة ولا حق الحياة!

وما دام أولئك المشركون يشركون بالله ما لم ينزل به سلطانا؛ من الآلهة والعقائد والتصورات فهم يرتكنون إلى ضعف وخواء، وهم أبدا خوارون ضعفاء؛ وهم أبدا في رعب حيثما التقوا بالمؤمنين المرتكنين إلى الحق ذي السلطان. .

وإننا لنجد مصداق هذا الوعد كلما التقى الحق والباطل. . وكم من مرة وقف الباطل مدججا بالسلاح أمام الحق الأعزل. ومع ذلك كان الباطل يحتشد احتشاد المرعوب، ويرتجف من كل حركة وكل صوت - وهو في حشده المسلح المحشود! فأما إذا أقدم الحق وهاجم فهو الذعر والفزع والشتات والاضطراب في صفوف الباطل؛ ولو كانت له الحشود، وكان للحق القلة، تصديقا لوعد الله الصادق:

سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. .

ذلك في الدنيا. فأما في الآخرة. . فهناك المصير المحزن البائس الذي يليق بالظالمين.

ومأواهم النار. وبئس مثوى الظالمين!. .

وهنا يردهم السياق إلى مصداق وعد الله هذا في غزوة أحد ذاتها. فقد كان لهم النصر الساحق في أوائلها. ولقد استحر القتل في المشركين حتى ولوا الأدبار، وتركوا وراءهم الغنائم، وسقط لواؤهم فلم تمتد يد لرفعه حتى رفعته لهم امرأة!. . ولم ينقلب النصر هزيمة للمسلمين إلا حين ضعفت نفوس الرماة أمام إغراء الغنائم؛ وتنازعوا فيما بينهم، وخالفوا عن أمر رسول الله [صلى الله عليه وسلم] نبيهم وقائدهم. . وهنا يردهم السياق إلى صميم المعركة ومشاهدها ومواقفها وأحداثها وملابساتها، في حيوية عجيبة:

ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم - من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة. ثم صرفكم عنهم ليبتليكم. ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين. إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم، فأثابكم غما بغم، لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم. والله خبير بما تعملون. ثم أنزل عليكم من بعد الغم امنة نعاسا يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ قل: إن الأمر كله لله. يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك. يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. وليبتلي الله ما في صدوركم. وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور. إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا. ولقد عفا الله عنهم. إن الله غفور حليم. .

إن التعبير القرآني هنا ليرسم مشهدا كاملا لمسرح المعركة، ولتداول النصر والهزيمة. مشهدا لا يترك حركة في الميدان، ولا خاطرة في النفوس، ولا سمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت