فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 167

وسواء كان معنى إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل هو أخذ هذا من ذاك وأخذ ذاك من هذا عند دورة الفصول. .

أو كان هو دخول هذا في هذا عند دبيب الظلمة ودبيب الضياء في الأمساء والأصباح. . سواء كان هذا أو ذاك فإن القلب يكاد يبصر يد الله وهي تحرك الأفلاك، وتلف هذه الكرة المعتمة أمام تلك الكرة المضيئة، وتقلب مواضع الظلمة ومواضع الضياء. . شيئًا فشيئًا يتسرب غبش الليل إلى وضاءة النهار. وشيئًا فشيئًا يتنفس الصبح في غيابة الظلام. . شيئًا فشيئًا يطول الليل وهو يأكل من النهار في مقدم الشتاء. وشيئًا فشيئًا يطول النهار وهو يسحب من الليل في مقدم الصيف. . وهذه أو تلك حركة لا يدعي الإنسان أنه هو الذي يمسك بخيوطها الخفية الدقيقة؛ ولا يدعي كذلك عاقل أنها تمضي هكذا مصادفة بلا تدبير!

كذلك الحياة والموت، يدب أحدهما في الآخر في بطء وتدرج. كل لحظة تمر على الحي يدب فيه الموت إلى جانب الحياة، ويأكل منه الموت وتبنى فيه الحياة! خلايا حية منه تموت وتذهب، وخلايا جديدة فيه تنشأ وتعمل.

وما ذهب منه ميتًا يعود في دورة أخرى إلى الحياة. وما نشأ فيه حيًا يعود في دورة أخرى إلى الموت. . هذا في كيان الحي الواحد. . ثم تتسع الدائرة فيموت الحي كله، ولكن خلاياه تتحول إلى ذرات تدخل في تركيب آخر ثم تدخل في جسم حي فتدب فيها الحياة. . وهكذا دورة دائبة في كل لحظة من لحظات الليل والنهار. . ولا يدعي الإنسان أنه هو الذي يصنع من هذا كله شيئًا. ولا يزعم عاقل كذلك أنها تتم هكذا مصادفة بلا تدبير!

حركة في كيان الكون كله وفي كيان كل حي كذلك. حركة خفية عميقة لطيفة هائلة. تبرزها هذه الإشارة القرآنية القصيرة للقلب البشري والعقل البشري؛ وهي تشي بيد القادر المبدع اللطيف المدبر. . فأنى يحاول البشر أن ينعزلوا بتدبير شأنهم عن اللطيف المدّبر؟ وأنى يختارون لأنفسهم أنظمة من صنع أهوائهم وهم قطاع من هذا الكون الذي ينظمه الحكيم الخبير؟

ثم أنى يتخذ بعضهم بعضًا عبيدًا، ويتخذ بعضهم بعضًا أربابًا، ورزق الجميع بيد الله وكلهم عليه عيال: {وترزق من تشاء بغير حساب} . .

إنها اللمسة التي ترد القلب البشري إلى الحقيقة الكبرى. حقيقة الألوهية الواحدة. حقيقة القوامة الواحدة. وحقيقة الفاعلية الواحدة وحقيقة التدبير الواحد. وحقيقة المالكية الواحدة وحقيقة العطاء الواحد. ثم حقيقة أن الدينونة لا تكون إلا لله القيوم، مالك الملك، المعز المذل، المحيي المميت، المانح المانع، المدبر لأمر الكون والناس بالقسط والخير على كل حال. (الظلال)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت