وهو يقسم لهم الهدى أو الضلال وفق علمه بحقيقة صنعهم. والله يعلم هذه الحقيقة قبل أن تكون منهم؛ ويعلمها بعد أن تكون. وهو يقسم لهم وفق علمه الأزلي. ولكنه لا يحاسبهم على ما يكون منهم إلا بعد أن يكون. (الظلال)
و قال تعالى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ 128} وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {129} آل عمران
وبذلك يرد أمر الناس - طائعهم وعاصيهم - إلى الله. فهذا الشأن شأن الله وحده - سبحانه. شأن هذه الدعوة وشأن هؤلاء الناس معها: طائعهم وعاصيهم سواء. . وليس للنبي [صلى الله عليه وسلم] وليس للمؤمننين معه إلا أن يؤدوا دورهم، ثم ينفضوا أيديهم من النتائج، وأجرهم من الله على الوفاء، وعلى الولاء، وعلى الأداء.
وملابسة أخرى في السياق اقتضت هذا التنصيص: ليس لك من الأمر شيء فسيرد في السياق قول بعضهم: هل لنا من الأمر من شيء؟. . وقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. . . ليقول لهم: إن أحدا ليس له من الأمر من شيء. لا في نصر ولا في هزيمة. إنما الطاعة والوفاء والأداء هي المطلوبة من الناس. وأما الأمر بعد ذلك فكله لله. ليس لأحد منه شيء. ولا حتى لرسول الله. . فهي الحقيقة الأصيلة في التصور الإسلامي. وإقرارها في النفوس أكبر من الأشخاص وأكبر من الأحداث، وأكبر من شتى الاعتبارات. .
ويختم هذا التذكير ببدر، وهذا التقرير للحقائق الأصيلة في التصور، بالحقيقة الشاملة التي ترجع إليها حقيقة أن أمر النصر والهزيمة مرده إلى حكمة الله وقدره. . يختم هذا التقرير بتقرير أصله الكبير: وهو أن الأمر لله في الكون كله، ومن ثم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وفق ما يشاء:
ولله ما في السماوات وما في الأرض. يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، والله غفور رحيم
فهي المشيئة المطلقة، المستندة إلى الملكية المطلقة. وهو التصرف المطلق في شأن العباد، بحكم هذه الملكية لما في السماوات وما في الأرض. وليس هنالك ظلم ولا محاباة للعباد، في المغفرة أو في العذاب. إنما يقضي الأمر في هذا الشأن بالحكمة والعدل، وبالرحمة والمغفرة. فشأنه - سبحانه - الرحمة والمغفرة:
والله غفور رحيم. .
والباب مفتوح أمام العباد لينالوا مغفرته ورحمته، بالعودة إليه، ورد الأمر كله له، وأداء الواجب المفروض، وترك ما وراء ذلك لحكمته وقدره ومشيئته المطلقة من وراء الوسائل والأسباب.
وفي الظلال:
وقبل أن يكمل السياق عرض وساوسهم وظنونهم، يبادر بتصحيح الأمر وتقرير الحقيقة فيما يتساءلون فيه، ويرد على قولتهم: هل لنا من الأمر من شيء؟. قل: إن الأمر كله لله. .
فلا أمر لأحد. لا لهم ولا لغيرهم. ومن قبل قال الله لنبيه [صلى الله عليه وسلم] ليس لك من الأمر شيء. فأمر هذا الدين، والجهاد لإقامته وتقرير نظامه في الأرض، وهداية