فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 167

ومعافيا وقابضا وباسطا إلى غير ذلك من صفات ربوبيته وأما الرضى عنه: فهو رضى العبد بما يفعله به ويعطيه إياه ولهذا إنما يجىء إلا في الثواب والجزاء كقوله تعالى ^ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ^ [الفجر: 2728] فهذا برضاها عنه لما حصل لها من كرامته كقوله تعالى: ^ خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ^ [البينة: 8] والرضى به: أصل الرضى عنه والرضى عنه: ثمرة الرضى به وسر المسألة: أن الرضى به متعلق بأسمائه وصفاته والرضى عنه: متعلق بثوابه وجزائه وأيضا: فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي بالله ربا ولم يعلقه بمن رضي عنه كما قال: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فجعل الرضى به قرين الرضى بدينه ونبيه وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام التي لا يقوم إلا بها وعليها وأيضا: فالرضى به ربا يتضمن توحيده وعبادته والإنابة إليه والتوكل عليه وخوفه ورجاءه ومحبته والصبر له وبه والشكر على نعمه يتضمن رؤية كل ما منه نعمة وإحسانا وإن ساء عبده فالرضا به يتضمن شهادة أن لا إله إلا الله والرضى بمحمد رسولا يتضمن شهادة أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والرضى بالإسلام دينا: يتضمن التزام عبوديته وطاعته وطاعة رسوله فجمعت هذه الثلاثة الدين كله وأيضا: فالرضى به ربا يتضمن اتخاذه معبودا دون ما سواه واتخاذه وليا ومعبودا وإبطال عبادة كل ما سواه وقد قال تعالى لرسوله: ^ أفغير الله أبتغي حكما ^ [الأنعام: 114] وقال: ^ أغير الله اتخذ وليا ^ [الأنعام: 14] وقال: ^ قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ^ [الأنعام: 164] فهذا هو عين الرضى به ربا وأيضا: فإنه جعل حقيقة الرضى به ربا: أن يسخط عبادة ما دونه فمتى سخط العبد عبادة ما سوى الله من الآلهة الباطلة حبا وخوفا ورجاء وتعظيما وإجلالا فقد تحقق بالرضى به ربا الذي هو قطب رحى الإسلام وإنما كان قطب رحى الدين: لأن جميع العقائد والأعمال والأحوال: إنما تنبني على توحيد الله عز وجل في العبادة وسخط عبادة ما سواه فمن لم يكن له هذا القطب لم يكن له رحى تدور عليه ومن حصل له هذا القطب ثبتت له الرحى ودارت على ذلك القطب فيخرج حينئذ من دائرة الشرك إلى دائرة الإسلام فتدور رحى إسلامه وإيمانه على قطبها الثابت اللازم وأيضا: فإنه جعل حصول هذه الدرجة من الرضى موقوفا على كون المرضى به ربا سبحانه أحب إلى العبد من كل شيء وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة ومعلوم أن هذا يجمع قواعد العبودية وينتظم فروعها وشعبها ولما كانت المحبة التامة ميل القلب بكليته إلى المحبوب: كان ذلك الميل حاملا على طاعته وتعظيمه وكلما كان الميل أقوى: كانت الطاعة أتم والتعظيم أوفر وهذا الميل يلازم الإيمان بل هو روح الإيمان ولبه فأي شيء يكون أعلى من أمر يتضمن أن يكون الله سبحانه أحب الأشياء إلى العبد وأولى الأشياء بالتعظيم وأحق الأشياء بالطاعة وبهذا يجد العبد حلاوة الإيمان كما في الصحيح عنه أنه قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كمان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقي في النار فعلق ذوق الإيمان بالرضى بالله ربا وعلق وجود حلاوته بما هو موقوف عليه ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت