فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 167

مِنْ عَدَمِ التَّقْرِيبِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُزَادَ نَحْوُ قَوْلِهِ وَأَنَّ شَخْصًا وَاحِدًا قَدْ يَعْرِضُ لَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَالَاتٌ تُرَجِّحُ جَانِبَ الْخَوْفِ وَفِي بَعْضٍ آخَرَ حَالَاتٌ أُخْرَى تُرَجِّحُ جَانِبَ الرَّجَاءِ وَفِي بَعْضِهَا الْمُسَاوَاةُ , لَعَلَّهُ اكْتَفَى بِمَا ذَكَرَ اعْتِمَادًا عَلَى الْمُقَايَسَةِ وَاسْتِظْهَارًا مِمَّا ذَكَرَ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا يُلَائِمُ لِمَنْ نَظَرَ مِنْ الْخَارِجِ وَالْكَلَامُ فِي نَفْسِ الْعَابِدِ فَكُلُّ عَابِدٍ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصُرَ عَمَلَهُ بَلْ كُلَّمَا ازْدَادَ الْقُرْبُ ازْدَادَ الْخَوْفُ وَلِهَذَا تَرَى أَخْوَفَ النَّاسِ الْأَنْبِيَاءَ عليهم الصلاة والسلام ثُمَّ الْأَوْلِيَاءَ ثُمَّ وَثُمَّ وَأَنَّهُمْ أَطْلَقُوا بِأَنَّهُ يَنْبَغِي غَلَبَةُ جَانِبِ الْخَوْفِ فِي الصِّحَّةِ وَالرَّجَاءِ فِي الْمَرَضِ وَلَعَلَّ لِتَعَارُضِ مِثْلِ ذَلِكَ قَالَ (وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا} نَعَمْ قِيلَ هُنَا الْمَشْهُورُ يَنْبَغِي اسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ لِلصِّحَّةِ وَغَلَبَةِ الرَّجَاءِ فِي الْمَرَضِ لِلْحَدِيثِ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ. وَعَنْ مَنَاهِجِ الْأَخْلَاقِ الْأَفْضَلُ عِنْدَ طَائِفَةٍ التَّسْوِيَةُ فِي الصِّحَّةِ وَعِنْدَ أُخْرَى غَلَبَةُ الْخَوْفِ وَفِي الْمَرَضِ غَلَبَةُ الرَّجَاءِ مُطْلَقًا. وَعَنْ الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّةِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْخَوْفِ إذْ غَلَبَةُ الرَّجَاءِ تُفْسِدُ الْقُلُوبَ وَعَنْ الْوَاسِطِيِّ هُمَا زِمَامَا نُفُوسٍ لِئَلَّا تَخْرُجَ إلَى رَعُونَاتِهَا وَعَنْ حَدَائِقِ الْحَقَائِقِ لَا يَتَحَقَّقُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِدُونِ الْآخَرِ ; لِأَنَّ الرَّجَاءَ بِلَا خَوْفِ أَمْنٍ وَالْخَوْفُ بِدُونِ الرَّجَاءِ قُنُوطٌ وَالْأَكْثَرُ هُمَا كَجَنَاحَيْ الطَّيْرِ فَإِنْ اعْتَدَلَا طَارَ وَإِلَّا فَإِمَّا يَخْتَلُّ طَيَرَانُهُ أَوْ لَا يَطِيرُ أَصْلًا فَصَارَ كَالْمَذْبُوحِ ثُمَّ قِيلَ وَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي بِلُطْفِ رَبِّي تَرْجِيحُ جَانِبِ الرَّجَاءِ لِحَدِيثِ {أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي} . وَقَدْ كَانَ أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ قوله تعالى - {إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} وَأَنَا أَقُولُ وَأَيْضًا {غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ تَعَالَى عَلَى غَضَبِهِ وَسَبَقَتْهَا عَلَيْهِ} كَمَا فِي أَحَادِيثَ مُفَصَّلَةٍ لَكِنْ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ بَعْدَ صَرْفِ حِجَجِ جَانِبِ الْمُخَالِفِينَ عَنْ ظَوَاهِرِهَا بِقَوَاعِدَ شَرْعِيَّةٍ أَوْ تَرْجِيحِ أَدِلَّةِ جَانِبِ الْوَاقِفِينَ بِتَرْجِيحَاتٍ أُصُولِيَّةٍ عَلَى نَهْجٍ مَقْبُولٍ كَيْفَ وَظَاهِرُ نَحْوِ قوله تعالى - {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} - وَنَحْوِ حَدِيثِ {لَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَلِجَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ} وَحَدِيثِ {لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا} . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَخَافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} وَمَدَحَ الْخَائِفِينَ بِقَوْلِهِ {: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ} يُرَجَّحُ جَانِبُ الْخَوْفِ فَافْهَمْ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(يا عبادي كلكم جائع)

وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ , وَكُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْته فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ} فَيَقْتَضِي أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ: أَحَدُهُمَا. وُجُوبُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ فِي الرِّزْقِ الْمُتَضَمِّنِ جَلْبَ الْمَنْفَعَةِ , كَالطَّعَامِ , وَدَفْعَ الْمَضَرَّةِ كَاللِّبَاسِ , وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ غَيْرُ اللَّهِ عَلَى الْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ قُدْرَةً مُطْلَقَةً. وَإِنَّمَا الْقُدْرَةُ الَّتِي تَحْصُلُ لِبَعْضِ الْعِبَادِ تَكُونُ عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ ذَلِكَ , وَلِهَذَا قَالَ: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} . وَقَالَ: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} . فَالْمَامُورُ بِهِ هُوَ الْمَقْدُورُ لِلْعِبَادِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} . وَقَوْلُهُ: {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} . وَقَوْلُهُ: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت