اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ , وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ. وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّامِيِّ: {الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ , وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ} . فَالْعَاجِزُ فِي الْحَدِيثِ مُقَابِلُ الْكَيِّسِ , وَمَنْ قَالَ: الْعَاجِزُ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الْبَرِّ , فَقَدْ حَرَّفَ الْحَدِيثَ وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهُ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: {كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ} . وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ , يَقُولُونَ نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ فَإِذَا قَدِمُوا سَأَلُوا النَّاسَ , فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} . فَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّزَوُّدِ فَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَأَحْسَنَ مِنْهُ إلَى مَنْ يَكُونُ مُحْتَاجًا , كَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ , بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ مُلْتَفِتًا إلَى أَزْوَادِ الْحَجِيجِ كَلًّا عَلَى النَّاسِ , وَإِنْ كَانَ مَعَ هَذَا قَلْبُهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَى مُعِينٍ , فَهُوَ مُلْتَفِتٌ إلَى الْجُمْلَةِ , لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُتَزَوِّدُ غَيْرَ قَائِمٍ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَمُوَاسَاةِ الْمُحْتَاجِ , فَقَدْ يَكُونُ فِي تَرْكِهِ لِمَا أُمِرَ بِهِ , مِنْ جِنْسِ هَذَا التَّارِكِ لِلتَّزَوُّدِ الْمَامُورِ بِهِ. وَفِي هَذِهِ النُّصُوصِ بَيَانُ غَلَطِ طَوَائِفَ: فَطَائِفَةٌ تُضَعِّفُ أَمْرَ السَّبَبِ الْمَامُورِ بِهِ فَتَعُدُّهُ نَقْصًا , وَقَدْحًا فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ , وَأَنَّ تَرْكَهُ مِنْ كَمَالِ التَّوَكُّلِ وَالتَّوْحِيدِ , وَهُمْ فِي ذَلِكَ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِمْ , وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِالْغَلَطِ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي إخْلَادِ النَّفْسِ إلَى الْبَطَالَةِ , وَلِهَذَا تَجِدُ عَامَّةَ هَذَا الضَّرْبِ التَّارِكِينَ لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ يَتَعَلَّقُونَ بِأَسْبَابٍ دُونَ ذَلِكَ. فَإِمَّا أَنْ يُعَلِّقُوا قُلُوبَهُمْ بِالْخَلْقِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً , وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكُوا لِأَجْلِ مَا تَبَتَّلُوا لَهُ مِنْ الْغُلُوِّ فِي التَّوَكُّلِ وَاجِبَاتٍ أَوْ مُسْتَحَبَّاتٍ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ , كَمَنْ يَصْرِفُ هِمَّتَهُ فِي تَوَكُّلِهِ إلَى شِفَاءِ مَرَضِهِ بِلَا دَوَاءٍ , أَوْ نَيْلِ رِزْقِهِ بِلَا سَعْيٍ , فَقَدْ يَحْصُلُ ذَلِكَ , لَكِنْ كَانَ مُبَاشَرَةُ الدَّوَاءِ الْخَفِيفِ وَالسَّعْيِ الْيَسِيرِ , وَصَرْفُ تِلْكَ الْهِمَّةِ , وَالتَّوَجُّهُ فِي عِلْمٍ صَالِحٍ أَنْفَعَ لَهُ , بَلْ قَدْ يَكُونُ أَوْجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَبَتُّلِهِ لِهَذَا الْأَمْرِ الْيَسِيرِ الَّذِي قَدْرُهُ دِرْهَمٌ , أَوْ نَحْوُهُ , وَفَوْقَ هَؤُلَاءِ مَنْ يَجْعَلُ التَّوَكُّلَ وَالدُّعَاءَ أَيْضًا نَقْصًا وَانْقِطَاعًا عَنْ الْخَاصَّةِ , ظَنًّا أَنَّ مُلَاحَظَةَ مَا فُرِّعَ مِنْهُ فِي الْقَدْرِ هُوَ حَالُ الْخَاصَّةِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: {كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْته فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ} . وَقَالَ: {فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ} . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ , أَوْ غَيْرِهِ , عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: {لِيَسْأَلَ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا حَتَّى شِسْعَ نَعْلِهِ إذَا انْقَطَعَ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يُيَسِّرْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ} . وَهَذَا قَدْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ أَيْضًا اسْتِهْدَاءَ اللَّهِ وَعَمَلَهُ بِطَاعَتِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُمْ يُوجِبُ دَفْعَ الْمَامُورِ بِهِ مُطْلَقًا , بَلْ دَفْعُ الْمَخْلُوقِ وَالْمَامُورِ. وَإِنَّمَا غَلِطُوا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا سَبْقَ التَّقْدِيرِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ بِالسَّبَبِ الْمَامُورِ بِهِ , كَمَنْ يَتَزَنْدَقُ فَيَتْرُكُ الْأَعْمَالَ الْوَاجِبَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَدَرَ قَدْ سَبَقَ بِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلِ الشَّقَاوَةِ , وَلَمْ يَعْلَمْ: أَنَّ الْقَدَرَ سَبَقَ بِالْأُمُورِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَمَنْ قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ كَانَ مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّهُ يَتَيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ , وَمَنْ قَدَّرَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ كَانَ مِمَّا قَدَّرَهُ أَنَّهُ يُيَسِّرُهُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ , كَمَا قَدْ أَجَابَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ هَذَا السُّؤَالِ فِي حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ , وَسُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ الزُّهْرِيِّ , عَنْ أَبِي خُزَامَةَ , عَنْ أَبِيهِ , {قَالَ: سَأَلْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا , وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا , وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا , تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟. فَقَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ} . وَطَائِفَةٌ تَظُنُّ أَنَّ التَّوَكُّلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْخَاصَّةِ الْمُتَقَرِّبِينَ إلَى