ولم يكن كل من الجيشين يعلم بموقع صاحبه. وإنما جمعهما الله هكذا على جانبي الربوة لأمر يريده. حتى لو أن بينهما موعدًا على اللقاء ما اجتمعا بمثل هذه الدقة والضبط من ناحية المكان والموعد! وهذا ما يذكر الله به العصبة المسلمة ليذكرها بتدبيره وتقديره.
{إذ أنتم بالعدوة الدنيا، وهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منكم، ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد، ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا} . .
إن وراء هذا التلاقي على غير موعد - بهذه الدقة وبهذا الضبط - لأمرًا مقضيًا يريد الله تحقيقه في عالم الواقع، ويدبر له هذا التدبير الخفي اللطيف؛ ويجعلكم أنتم أداة تحقيقه، ويهيئ له جميع الظروف التي تيسر لكم القيام به!
إن الموقعة - بظروفها التي صاحبتها - تحمل بينة لا تجحد، وتدل دلالة لا تنكر، على تدبير وراء تدبير البشر، وعلى قوى وراءها غير قوة البشر. . إنها تثبت أن لهذا الدين ربًا يتولى أصحابه متى أخلصوا له وجاهدوا في سبيله وصبروا وثبتوا، وأنه لو كان الأمر إلى القوى المادية الظاهرة ما هزم المشركون ولا انتصرت العصبة المسلمة هذا الانتصار العظيم.
ولقد قال المشركون أنفسهم لحليفهم الذي أراد أن يمدهم بالرجال وهم ذاهبون للقتال: «فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة» ! ولقد علموا - لو كان العلم يجدي - أنهم إنما يقاتلون الله كما قال لهم محمد الصادق الأمين، وأنه ما لأحد بالله من طاقة. . فإذا هلكوا بعد ذلك بالكفر فإنما يهلكون عن بينة!
هذا ما يتبادر إلى الذهن من معنى هذا التعقيب: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة} . . ولكن يبقى وراءه إيحاء آخر:
إن وقوع المعركة بين جند الحق وجند الباطل؛ واستعلاء سلطان الحق في عالم الواقع - بعد استعلائه في عالم الضمائر - إن هذا كله مما يعين على جلاء الحق للعيون والقلوب؛ وعلى إزالة اللبس في العقول والنفوس؛ بحيث يتبين الأمر بهذا الفتح ويتجلى؛ فلا تعود لمن يختار الهلاك - أي الكفر - شبهة في الحق الذي استعلن واستعلى؛ كما أن الذي يريد أن يحيا - أي يؤمن - لا يعود لديه شك في أن هذا هو الحق الذي ينصره الله، ويخذل الطغاة.
ولقد كان من تدبير الله في المعركة أن يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكافرين في الرؤيا في منامه قليلًا لا قوة لهم ولا وزن، فينبئ أصحابه برؤياه، فيستبشروا بها ويتشجعوا على خوض المعركة. . ثم يخبر الله هنا لم أراهم لنبيه قليلًا. فلقد علم - سبحانه - أنه لو أراهم له كثيرًا، لفت ذلك في قلوب القلة التي معه، وقد خرجت على غير استعداد ولا توقع لقتال، ولضعفوا عن لقاء عدوهم؛ وتنازعوا فيما بينهم على ملاقاتهم: فريق يرى أن يقاتلهم وفريق يرى تجنب الالتحام بهم. . وهذا النزاع في هذا الظرف هو أبأس ما يصيب جيشًا يواجه عدوًا!
{ولكن الله سلم. إنه عليم بذات الصدور} . .