فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 503

خذ آية من كتاب الله مما يتعلق بمعنى تتفاوت في مدى فهمه العقول ، ثم اقرأها على مسامع خليط من الناس يتفاوتون في المدارك ، والثقافة ، فستجد ان الآية تعطي كلا منهم معناها بقدر ما يفهم ، و أن كلا منهم يستفيد منها معنى وراء الذي انتهي عنده علمه .

و في القرآن الكثير من هذا و ذاك فلنعرض أمثلة منه:

من القبيل الأول قوله تعالى:"تبارك الذي جعل في السماء روجًا و جعل فيها سراجًا و قمرًا منيرًا"فهذه تصف كلا من الشمس و القمر بمعنيين لهما سطح قريب يفهمه الناس كلهم ، و لها عمق يصل إليه المتأملون و العلماء ، و لها جذور بعيدة يفهمها الباحثون و المتخصصون ، والآية تحمل بصياغتها هذه الدرجات الثلاثة للمعنى ، فتعطي طاقته و فهمه .

فالعامي من العرب يفهم منها ان كلا من الشمس و القمر يبعثان بالضياء إلى الأرض ، وإنما غاير في التعبير عنه بالنسبة لكل منهما تنويعًا للفظ ، و هو معنى صحيح تدل عليه الآية ، و المتأمل من علماء العربية يدرك من وراء ذلك أن الآية تدل على أن الشمس تجمع إلى النور الحرارة فلذلك سماها سراجًا ، والقمر يبعث بضياء لا حرارة فيه .

الخاصة الرابعة: و هي ظاهرة التكرار .

وفي القرآن من هذه الظاهرة نوعان:

أحدهم: تكرار بعض الألفاظ او الجمل .

و ثاينهما: تكرار بعض المعاني كالأقاصيص ، والأخبار .

فالنوع الأول: يأتي على وجه التوكيد ، ثم ينطوي بعد ذلك على نكت بلاغية ، كالتهويل ، والإنذار , التجسيم و التصوير و للتكرار أثر بالغ في تحقيق هذه الأغراض البلاغية في الكلام ، و من أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى:"الحاقة ما الحاقة ، و ما أدراك ما الحاقة ، كذبت ثمود و عاد بالقارعة"و قوله تعالى:"سأصليه سقر ، و ما أدراك ما سقر ، لا تبقي و لا تذر"و قوله تعالى: أولئك الذين كفروا بربهم ، و أولئك الأغلال في أعناقهم ، وأولئك أصحاب النار"و قوله تعالى:"و ما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ، و ما أنت بمسمع من في القبور"."

و النوع الثاني: و هو تكرار بعض القصص و الأخبار يأتي لتحقيق غرضين هامين:

الأول: إنهاء حقائق و معاني الوعد و الوعيد إلى النفوس بالريقة التي تألفها ، و هي تكرار هذه الحقائق في صور و أشكال مختلفة من التعبير و الأسلوب ، ولقد أشار القرآن إلى هذا الغرض بقوله:"و لقد صرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا" [سورة طه 113] .الثاني: إخراج المعنى الواحد في قوالب مختلفة من الألفاظ و العبارة ، و بأساليب مختلفة تفصيلًا و إجمالًا ، الكلام في ذلك حتى يتجلى إعجازه ، و يستبين قصور الطاقة البشرية عن تقليده أو اللحاق بشأوه ، إذ من المعلوم أن هذا الكتاب إنما تنزل للإقناع العقلاء ، من الناس بأنه ليس كلام بشر ، و لإلزامهم بالشريعة التي فيه ، فلابد فيه من الوسائل التي تفئ بتحقيق الوسيلة إلى كلا الأمرين .

و من هنا كان من المحال أن تعثر في القرآن كله على معنى يتكرر في أسلوب واحد من اللفظ ، و يدور ضمن قالب واحد من التعبير ، بل لابد أن تجده في كل مرة يلبس ثوبًا جديدًا من الأسلوب ، و طريقة التصوير و العرض ، بل لابد أن تجد التركيز في كل مرة منها على جانب معين من جوانب المعنى او القصة و لنضرب لك مثالًا على هذا الذي نقول: بقصة موسى عليه السلام إذ أنها أشد القصص في القرآن تكرارًا ، فهي من هذه الوجهة تعطى فكرة كاملة على هذا التكرار.

وردت هذه القصة في حوالي ثلاثين موضعًا ، ولكنها في كل موضع تلبس أسلوبًا جديدًا و تخرج أخراجًا جديدا يناسب السياق الذي وردت فيه ، و تهدف إلى هدف خاص لم يذكر في مكان آخر ، حتى لكأننا أمام قصة جديدة لم نسمع بها من قبل .

الخاصة الخامسة:

و هي تداخل أبحاثه ، و مواضيعه في معظم الأحيان فإن من يقرأ هذا الكتاب المبين لا يجد فيه ما يجده في عامة المؤلفات و الكتب الأخرى من التنسيق و التبويب حسب المواضيع ، و تصنيف البحوث مستقلة عن بعضها ، و إنما يجد عامة مواضيعه و أبحاثه لاحقة ببعضها دونما فاصل بينهما ، وقد يجدها متداخل في بعضها في كثير من السور و الآيات .

و الحقيقة أن هذه الخاصة في القرآن الكريم ، إنما هي مظهر من مظاهر تفرده ، و استقلاله عن كل ما هو مألوف و معروف من طرائق البحث و التأليف .

المظهر الثاني:

المفردة القرآنية:

إذا تأملت في الكلمات التي تتألف منها الجمل القرآنية رأيتها تمتاز بميزات ثلاثة رئيسية هي:

1 ـ جمل وقعها في السمع.

2ـ اتساقها الكامل مع المعنى .

3ـ اتساع دلالتها لما لا تتسع له عادة دلالات الكلمات الأخرى من المعاني و المدلولات . د

و قد نجد في تعابير بعض الأدباء و البلغاء كالجاحظ و المتنبي كلمات تتصف ببعض هذه الميزات الثلاثة أما ان تجتمع كلها معا ، و بصورة مطردة لا تتخلف أو تشذ فذلك مما لم يتوافر إلا في القرآن الكريم .

و إليك بعض الأمثلة القرآنية التي توضح هذه الظاهرة و تجليها:

أنظر إلى قوله تعالى في وصف كل من الليل و الصبح:"و الليل إذا عسعس و الصبح إذا تنفس"ألا تشم راحة المعنى واضحًا من كل هاتين الكلمتين: عسعس ، و تنفس؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت