فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 503

ألا تشعر أن الكلمة تبعث في خيالك صورة المعنى محسوسا مجسمًا دون حاجة للرجوع إلى قواميس اللغة ؟

و هل في مقدورك أن تصور إقبال الليل ، وتمدده في الآفاق المترامية بكلمة أدق و أدل من"عسعس".

و هل تستطيع أن تصور انفلات الضحى من مخبا الليل و سجنه بكلمة أروع من"تنفس". ؟

أقرأ قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا ، مالكم إذا قيل لكم: انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض" [سورة التوبة ] .

و ادرس الأداء الفني الذي قامت به لفظة"أثاقلتم"بكل ما تكونت به من حروف ، و من صورة ترتيب هذه الحروف ، و من حركة التشديد على الحرف اللثوية"الثاء"و المد بعده ، ثم مجيء القاف الذي هو أحد حروف القلقلة ، ثم التاء المهموسة ، والميم التي تنطبق عليها الشقتان ، ويخرج صوتها من الأنف ، ألا تجد نظام الحروف ، وصورة أداء الكلمة ذاتها أوحت إليك بالمعنى ، قبل أن يرد عليك المعنى من جهة المعاجم .؟ ألا تلحظ في خيالك ذلك الجسم المثاقل ، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط في أيديهم في ثقل ؟ ألا تحس أن البطء في تلفظ الكلمة ذاتها يوحي بالحركة البطيئة التي تكون من المثاقل ؟

جرب أن تبدل المفردة القرآنية ، و تحل محلها لفظة"تثاقلتم"ألا تحس أن شيئًا من الخفة و السرعة ، بل و النشاط أوحت به"تثاقلتم"بسبب رصف حروفها ، و زوال الشدة ، وسبق التاء قبل الثاء ؟ إذن فالبلاغة تتم في استعمال"أثاقلتم"للمعنى المراد ، ولا تكون في"تثاقلتم".

المظهر الثالث:

الجملة القرآنية و صياغتها

إن دراسة الجملة القرآنية تتصل اتصالا مباشرًا بدراسة المفردة القرآينة لأن هذه أساس الجملة ، و منها تركيبها ، و إذا كان علماء البلاغة يجعلون البلاغة درجات ، فإنهم مقرون دون جدل أن صياغة العبارة القرآنية في الطرف الأعلى من البلاغة الذي هو الإعجاز ذاته . و للإعجاز فيها وجوه كثيرة .

فمنها: ما تجده من التلاؤم و الاتساق الكاملين بين كلماتها ، و بين ملاحق حركاتها ، و سكناتها ، فالجملة في القرآن تجدها دائمًا مؤلفة من كلمات و حروف ، و أصوات يستريح لتألفها السمع و الصوت و المنطق ، و يتكون من تضامها نسق جميل ينطوي على إيقاع رائع ، ما كان ليتم لو نقصت من الجملة كلمة أو حرف أو اختلف ترتيب ما بينها بشكل من الأشكال .

أقرأ قوله تعالى:"ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ، و فجرنا الأرض عيونًا فالتقى الماء على أمر قد قدر"و تأمل تناسق الكلمات في كل جملة منها ، ثم دقق نظرك ، و تأمل تألف الحروف الرخوة مع الشديدة و المهموسة و المجهورة و غيرها ، ثم حالو تمعن في تأليف و تعاطف الحركات و السكنات و المدود اللاحقة ببعضها ، فإنك إذا تأملت في ذلك ، علمت أن هذا الجملة القرآنية . إنما صبت من الكلمات و الحروف و الحركات في مقدار ، و أن ذلك إنما قدر تقديرًا بعلم اللطيف الخبير و هيهات للمقاييس البشرية أن تضبط الكلام بهذه القوالب الدقيقة .و منها: إنك تجد الجملة القرآنية تدل بأقصر عبارة على أوسع معنى تام متكامل لا يكاد الإنسان يستطيع التعبير عنه إلا بأسطر و جمل كثيرة ن دون أن تجد فيه اختصارًا مخلا ، أو ضعفًا في الأدلة . أقرأ قوله تعالى:"خذ العفو ، و أمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين" [ سورة الأعراف] .

ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام كل خلق عظيم ، لأن في أخذ العفو صلة القاطعين و الصفح عن الظالمين .

و اقرأ قوله تعالى مخاطبًا آدم عليه السلام:"أن لك ألا تجوع فيها و لا تعرى ، و أنك لا تظمأ فيها و لا تضحى"ثم تأمل كيف جمع الله بهذا الكلام أصول معايش الإنسان كلها من طعام و شراب و ملبس ، و مأوى .

و أقرأ قوله تعالى:"و أوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه ، فإذا خفت عيه فألقيه في اليم و لا تخافي و لا تحزني إنا رادوه إليك و جاعلوه من المرسلين"و تأمل كيف جمعت هذه الآية الكريمة بين أمرين و نهيين و خبرين و بشارتين أما الأمرين فهما:"أرضعيه ، و ألقيه في اليم ، و أما النهيان فهما"لا تخافي"، و"لا تحزني"."

و أما الخبران فهما"أوحينا"و"خفت"و أما البشارتان فهما"أنا رادوه إليك"و"جاعلوه من المرسلين".

و تأمل سورة"الكوثر"وهي أقصر سورة في القرآن إذ هي ثلاثة آيات قصار كيف تضمنت ، على قلة آياتها الأخبار عن مغيبين: أحدهما: الأخبار عن الكوثر"نهر في الجنة"و عظمته و سعته و كثرة أوانيه , الثاني: الإخبار عن"والوليد بن المغيرة"و كان عند نزولها ذا مال وولد ، ثم أهلك الله سبحانه ماله وولده ، وانقطع نسله

ومنها: أخراج المعنى المجرد في مظهر الأمر المحس الملموس ، ثم بث الروح و الحركة في هذا المظهر نفسه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت