الصفحة 13 من 23

والصالحين والأولياء، والتوسل مسألة خلافية بين أهل العلم قديما وحديثا، وهو يختلف عن الاستغاثة اختلافا كبيرا، فالاستغاثة بغير الله كفر مخرج من الملة، أما التوسل فهو مسألة خلاف بين أهل العلم، ومن كرهه أو منعه من أهل العلم لم يقل إنه كفر.

ولعل من خير من يفرق بينهما هو العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، فقد قال في التوسل -بعد أن ذكر الراجح عنده من منعه-: (لكن بعض العلماء يُرخص فيه، وبعضهم ينهى عنه ويكرهه، وليس هذا مثل النوع الذي قبله - الاستغاثة - فإنه لا يصل إلى الشرك الأكبر عند من كرهه، ولا يُسمى هذا استغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم وإنما هو سؤال به، والفرق بينه وبين الذي قبله فرق عظيم أبعد مما بين المشرق والمغرب) .

والفرق الذي ذكره الشيخ فرق واضح ظاهر؛ لأن المستغيث يتوجه بالدعاء إلى المستغاث به نفسه، أما المتوسِل فإنه يتوجه إلى المتوسَل إليه وهو الله عز وجل، وليس إلى المتوسَل به الذي هو الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأولياء والصالحين.

وكذلك لا يكفي وجود بعض البدع المتفق على بدعيتها، مع أنها لا تصل إلى درجة الكفر الأكبر، فهذه يُقال فيها إنها بدعة محرمة، لكن لا يُقال فيها إنها كفر، بل إن من كفر شخصا بارتكاب بعض هذه البدع غير المكفرة أو المسائل المختلف في حكمها، فهو الذي يستحق العقوبة والزجر لافترائه على الدين.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هؤلاء: (بل المكفِّر بمثل هذه الأمور يستحق من غليظ العقوبة والتعزير ما يستحقه أمثاله من المفترين على الدين لا سيما مع قوله صلى الله عليه وسلم"من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما") .

ثم إنه حتى على افتراض وجود من يستغيث بغير الله عز وجل من الأموات وإثبات ذلك إثباتا يقينيا، وهذا قد يكون غير مستبعد في مثل هذا المجتمع الذي غلب على أهله الجهل، فإن هذا لا يكفي للحكم عليه بالكفر المخرج من الملة، بل لا بد من توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه والنظر في عوارض الأهلية من الجهل والتأويل ... إلخ.

ولنأخذ مثلا عارض الجهل في قضيتنا هذه، فمن المعروف أن الجاهل من هذه الأمة الذي لم تقم عليه الحجة بالعلم، لا يُحكَم بكفره ولو ارتكب من الأعمال ما يوصف بأنه كفر، والأصل في ذلك آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة.

فمن الآيات القرآنية قوله تعالى {وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا} وقوله تعالى {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} ، فقد بيّن الله عز وجل أنه لا يعذب أحدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت