الصفحة 14 من 23

من الكفار إلا بعد أن يقيم عليه الحجة برسول من عنده، وأهل الإسلام أحق بهذا العذر من غيرهم.

ومن السنة حديث سجود معاذ رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم جاهلا الحكم، وحديث ذات أنواط. وحديث الرجل الذي أمر ذويه بأن يحرقوه إذا هو مات لئلا يقدر الله عليه فيعذبه، جاهلا بقدرة الله على كل شيء.

وبهذا قال المحققون من أهل العلم:

يقول ابن العربي رحمه الله: ( ... فالجاهل والمخطيء من هذه الأمة ولو عمل من الشرك والكفر ما يكون صاحبه مشركا أو كافرا فإنه يعذر بالجهل والخطإ حتى تتبين له الحجة التي يكفر تاركها بيانا واضحا ما يلتبس على مثله، وينكر معلوما بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا قطعيا يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل ... ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع) .

ويقول الذهبي رحمه الله: (فلا يأثم أحد إلا بعد العلم وبعد قيام الحجة عليه، والله لطيف رؤوف بهم، قال تعالى: {وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولا} ) .

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العذر بالجهل: (ليس كل من تكلم بالكفر يكفر حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره، فإذا قامت عليه الحجة كفر حينئذ) .

وقد أخذ رحمه الله بهذا المبدأ وطبقه على خصومه بكل عدل وإنصاف، فقال عما جرى بينه وبين الجهمية: (ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش -لما وقعت محنتهم- أنا لو وافقتكم كنت كافرا لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهّال) .

فانظر إلى هذا الإنصاف للخصوم والعدل في الحكم مع أن المخاطبين كانوا من علماء القوم وقضاتهم ممن هم أقرب لفهم الحجة والمناظر لهم هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو من هو في القيام بحجته أمام الآخرين، ولكنه مع ذلك لم يحكم بكفرهم.

ومثل هذا ما جرى بين إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله مع الجهمية في عصره، فمع أنه كان يقول إن مقالتهم كفر، فإنه لم يكفر أعيانهم، بل كان يدعوا لهم ويصلي خلفهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت