الصفحة 15 من 23

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن ذلك: ( ... يبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم هذا الكلام بعينه، فإن الإمام أحمد مثلا قد باشر الجهمية الذين دعوه إلى خلق القرآن ونفي الصفات وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا المؤمنين والمؤمنات الذين لم يوافقوهم على التجهم بالضرب والحبس والقتل والعزل عن الولايات وقطع الأرزاق ورد الشهادة وترك تخليصهم من أيدي العدو، بحيث كان كثير من أولي الأمر من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل من لم يكن جهميا موافقا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن، ويحكمون فيهم بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية ولا يفكونه من عدو ولا يعطونه شيئا من بيت المال ولا يقبلون له شهادة ولا فُتيا ولا رواية، ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة والافتكاك من الأسر وغير ذلك، فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان ومن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان، ومن كان داعيا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه أو حبسوه، ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم، فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم من مجرد الدعاء إليها، والعقوبة لقائلها بالقتل أعظم من العقوبة بالضرب، ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون القرآن مخلوق وإن الله لا يُرى في الآخرة) .

هذا هو الأمام أحمد وموقفه من قوم يقولون أقوالا ويعتقدون معتقدات هي كفر، وقد أقام عليهم الحجة وناظرهم، ومع ذلك لم يحكم بكفرهم بأعيانهم.

ويقول ابن تيمية رحمه الله أيضا: (وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تُقام عليه الحجة وتُبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول عنه إلا بإقامة الحجة وإزالة الشبهة) .

ويقول أيضا: (فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطيء ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرا، بل ولا فاسقا بل ولا عاصيا) .

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في عذر الجاهل الذي يرتكب الكفر: (وأما ما ذكر الأعداء عني أني أُكفّر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت