بني التوازي على الصورة النحوية نفسها وهي:
الم تر ان الله ... يولج الليل في النهار
ويولج النهار في الليل
إن دلالة التداخل تنبع في التوازي من علاقة التركيب النحوي بوحدات التقابل والتخالف فهذه المتواليات (تجسد أطراف التقابل في صورة التعدد الذي بلغ أربع مفردات هي:(الليل) وقد كررت مرتين، والنهار وقد كررت مرتين، ولكن دلالة التداخل لا تنبع أصلًا من هذه الأطراف وانما تنبع من مفردات البنية النحوية التي أكدت في كثير من معانيها هذا التداخل، وأول مفردة تحدد لنا معنى التداخل هي (يولج) ان هذا الفعل يشير إلى معنى الإدخال فإذا ما ربطناه بطرفي (الليل / والنهار) ، فإننا ندرك ان ثمة تداخلًا بين هذين الطرفين بحيث يتداخل (الليل) بـ (النهار) [1] ، قال النسفي في قوله تعالى: (الم تر ان الله يولج الليل في النهار) : (يدخل ظلمة الليل في ضوء النهار اذا اقبل الليل) [2] .
وبما ان حرف الجر (في) أحد معانيه الظرفية [3] ولما لهذا المعنى من المداخلة (فانه يزيد الدلالة تجلية وتوضيحًا، وذلك انه يشير إلى دخول الطرف الأول(الليل) في الطرف الثاني (النهار) . ويتوحد بحيث لا نستطيع ان نجد فاصلًا حقيقيًا بين الطرفين. ولكن العملية النحوية زادت الدلالة عمقًا في معنى التداخل باحداث بنية لغوية جديدة هي (ويولج النهار في الليل ) ) [4] . إلا أن التوازي التركيبي جاء مستعينًا بدالة التداخل والتضاد الذي أدى إلى خلق موازاة مأصلة إذ تقوم هذه الظاهرة بخرق الترتيب فالكلمة التي كانت عند يمين المتوالية، أصبحت في المتوالية الثانية عند اليسار [5] ، فنلاحظ ان الترتيب النحوي في عناصره اللغوية قد كرر الفعل (يولج) وحرف الجر (في) . ولكن المدهش حقًا هو التعاكس في موقع طرفي التقابل على المستوى
(1) ينظر: التقابل والتماثل في القرآن الكريم، د. فايز عارف القرعان، المركز الجامعي للنشر والدعاية والاعلان وقياس الراي العام، اربد ـ الأردن، ط 1، 1415هـ ـ 1994م: 339 ـ 340
(2) تفسير النسفي: 3/ 412
(3) ينظر: الكناش في النحو والصرف: 325، وينظر مغني اللبيب: 1/ 168
(4) التقابل والتماثل في القرآن الكريم: 340
(5) ينظر: البنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد، حسن الغرفي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ـ العراق، ط 1، 1989م: 96 ـ 97