بني التوازي التركيبي في قوله عز وجل: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران:92] على التماثل في العمل النحوي بين (لن) و (حتى) إذ نصبا الفعل بعدهما، أما التغاير فجاء في بنائهما النحوي، كما جاء في المعنى
(فـ(لن) : حرف نصب ونفي واستقبال) [1] ، أما (حتى) : (فحرف يأتي لاحد ثلاثة معان: انتهاء الغاية، وهو الغالب، والتعليل، وبمعنى(إلا) في الاستثناء، وهذا اقلها، وقلّ من يذكره) [2] . وتنصب (حتى) الفعل المضارع بإضمار (ان) المصدرية، و (ان) المضمرة والفعل في تأويل مصدر مخفوض بـ (حتى) [3] ، (ولا تنصب الفعل بعد(حتى) الا إذا كان مستقبلًا) [4] . وكان البناء النحوي لهذا التوازي مكونًا من:
لن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون
فالمتوالية (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) (أي لن تدركوا بر الله تعالى بأهل طاعته) [5] ، أو (لن تبلغوا حقيقة البر ولن تكونوا أبرارًا، أو لن تنالوا بر الله وهو ثوابه) [6] ، وقيل معناه التقوى والطاعة، وقيل معناه لن تكونوا أبرارًا، أي: صالحين أتقياء.
أما المتوالية (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (أي: حتى تنفقوا المال وانما كُنّي بهذا اللفظ عن المال لان جميع الناس يحبون المال، وقيل معناه ما
(1) مغني اللبيب: 1/ 284
(2) المصدر نفسه: 1/ 122، ومعنى (حتى) الغاية، وذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها أي: ان ما قبلها لا ينقطع إلا عند حصول ما بعدها: نحو قوله تعالى: {قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} [طه: 91] ، ومعناها التعليل وهذا إذا كان ما قبلها علة لما بعدها، والمراد بالعلة في هذا الموضع الأمر الذي يفضي ويؤدي إلى آخر، نحو قوله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: من الآية217] ، واما مرادفة (إلا) في الاستثناء، وهذا المعنى ظاهر من قول سيبويه في تفسير قولهم: (والله لا افعل الا ان تفعل) المعنى حتى ان تفعل، وصرح به ابن هشام الخضراوي وابن مالك، ونقله أبو البقاء عن بعضهم في {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا} [البقرة: من الآية102] ، والظاهر في هذه الآية خلافه وان المراد معنى الغاية. ينظر: شرح شذور الذهب: 295 ـ 296، وينظر: مغني اللبيب: 1/ 125.
(3) ينظر: شرح شذور الذهب: 294
(4) مغني اللبيب: 126.
(5) مجمع البيان في تفسير القرآن:2/ 473
(6) تفسير النسفي:1/ 255