الصفحة 85 من 426

بدأ خطاب القرآن في العهد المدني بهذه الأداة في سورة الفتح، في قوله تعالى: { إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مّبِينًا } [ الفتح: 1] ، والمعنى الرئيس لـ (إن) التوكيد [1] ، كيفما استعملتها، ويظهر التوكيد بها من حرف النون (( التي هي حرف يعود إلى خاصية البطون أو الصميمية في طريقة النطق بصوتها، فصوتها يخرج من صميم الذات ... واستعملها العرب للتعبير عن معاني الانبثاق في حركة من الداخل إلى الخارج ) ) [2] ، والتوكيد بها في هذا الموضع لأن هذا الافتتاح له علاقة بسورة الأحقاف [3] ، إذ قال الله تعالى فيها: { وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } [الأحقاف: 9] ، ثم درى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك ما يفعل به [4] ، وهذا التوكيد من الله تعالى بإلحاق (نا) المتكلم بأداة التوكيد يفيد تنزيل المتوقع منزلة الواقع له [5] ، ولهذا موقع جليل من الإعجاز، إذ لم يتم فتح مكة بعد، وإنما كان صلح الحديبية [6] ، فهذا توكيد من الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بالفتح وإن لم يكن واقعًا بعد، وقال الرازي: (( وأما الفتح فلم يكن لأحد غير النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعظمه بقوله تعالى: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا } وفيه التعظيم من وجهين أحدهما:(إنا) وثانيهما: لك، أي لأجلك على وجه المنة )) [7] ، وذهب البقاعي إلى أن التوكيد جاء للإعلام بالصفة المقتضية للرحمة [8] ، فلهذه الأداة عمل واحد فقط، هو أنها إذا دخلت على الجمل الاسمية فإنها تغير لفظها دون معناها [9] ،

(1) ينظر: الإتقان ( 2/173 ) .

(2) حروف المعاني بين الأصالة والحداثة ( 98 ) .

(3) ينظر: تفسير الطبري (22/100) .

(4) ينظر: نفسه.

(5) ينظر: روح المعاني (م8/ج14/120 ) .

(6) ينظر: نفسه.

(7) تفسير الرازي (م4/ج28/79) .

(8) ينظر: نظم الدرر للبقاعي (6/83) .

(9) ينظر: أسرار العربية لأبي البركات الأنباري ( 1/35-37 ) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت