فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 586

الجِهَادُ فِي سَبيلِ اللهِ فِيهِ إِزْهَاقٌ لِلأَنْفُسِ ، وَقَتْلٌ لِلرِّجَالِ ، لِذلِكَ نَبَّهَ اللهُ المُؤْمِنينَ إِلى أَنَّ مَا اشتَمَلَ عَليهِ الكَافِرونَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبيلهِ ، هُوَ أَعْظَمُ مِنَ القَتْلِ ، لِذلِكَ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ( الشِّرْكُ أَشَدُُُّ مِنَ القَتْلِ ) . وَنَهَى اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ عَنْ قِتَالِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ لِحُرْمَتِهِ ، إِلاَّ إِذَا بَدَأَهُمُ المُشْرِكُونَ بِالقِتَالِ . فَإِذا نَشِبَتِ الحَرْبُ كَانَ عَلَى المُؤْمِنينَ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ حَيْثُمَا وَجَدُوهُمْ ، لأَنَّ هذا القِتَالَ هُوَ دَفْعٌ لِلاعْتِدَاءِ ، وَجَزَاءٌ عَلَى نَكْثِ العَهْدِ ، وَعَلَى مُبَاشَرَتِهِمْ بِالاعْتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَ ذلكَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ . وَيَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنينَ - إِذَا بَدَأَ المُشْرِكُونَ بِالاعتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ ، وَقَاتَلُوهُمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنْ زِيَارةِ المَسْجِدِ الحَرَامِ - بِأَنْ يُخْرِجَ المُسْلِمُونَ المُشِرْكِينَ مِنْ مَكَّةَ ، كَمَا أَخْرَجُوا الرَّسُولَ وَالمُؤْمِنينَ مِنْها ، لأنَّ فِتْنَتَهُم المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالإِيذَاءِ وَالتَّعذِيبِ وَالإِخْرَاجِ مِنَ الوَطَنِ ، وَمُصَادَرَةُ الأَمْوَالِ . . . كُلُّ ذلِكَ أَشَدُّ قُبْحًا مِنَ القَتْلِ فِي البَلَدِ الحَرَامِ .

وَاسْتَثْنَى اللهُ مِنْ قَتْلِ المُشْرِكِينَ ، فِي كُلِّ مَكَانٍ أَدْرَكَهُمْ فِيهِ المُسْلِمُونَ ، المَسْجِدَ الحَرَامَ ، فَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ، إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلَ فِيهِ وَيَنْتَهِكَ حُرْمَتَهُ ، فَحِينَئذٍ لاَ يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ ، وَذلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ المَعْتَدِينَ .

فَإِذا تَرَكَ الكَافِرُونَ الكُفْرَ ، وَأَسْلَمُوا وَتَابُوا فَإِنَّ الإِسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ ، وَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ التِي ارْتَكَبُوهَا مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ كَانُوا قَتَلُوا المُسْلِمِينَ فِي الحَرَمِ ، لأَنَّهُ تَعَالَى لا يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ .

وَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الكُفَّارِ حَتَّى لاَ تَكُونَ لَهُمْ قُوَّةٌ يَفْتِنُونَ بِهَا المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ ، وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ إِظْهَارِهِ ، وَالدَّعْوَةِ إِلَيهِ ، وَحَتَّى لاَ يَكُونَ هُنَاكَ شِرْكٌ ، وَحَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا ، وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرَ العَاليَ عَلَى سَائِرِ الأَدْيَانِ . فَإِنِ انْتَهَى المُشْرِكُونَ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ، وَكَفُّوا عَنْ قِتَالِ المُسْلِمِينَ ، فَلاَ سَبيلَ لِلْمُسْلِمِينَ إِلى قِتَالِهِمْ ، لأَنَّ القِتَالَ إِنَّما شُرِعَ لِرَدْعِ الكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالفِتْنَةِ . وَالعُدْوَانُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالكُفْرِ وَالمَعَاصِي ، وَتَجَاوَزَ العَدْلَ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت