فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 586

ويُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى حُكْمَ القِتَالِ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ ، وَهِيَ رَجَبٌ وَذُو القِعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ ، فَالذِي يَنْتَهِكُ حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَامِ جَزَاؤُهُ أَنْ يُحْرَمَ الضَّمَانَاتِ التِي كَفِلَهَا لَهُ الشَّهْرُ الحَرَامُ ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ الأَشْهُرَ الحُرُمَ وَاحَةَ أَمْنٍ تُصَانُ فِيها الدِّماءُ وَالأَمْوَالُ وَالحُرُمَاتُ ، وَلكِنْ مَنْ أَرَادَ العُدْوَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ فِي الأَشْهُرِ الحُرُمِ ، فَقَدْ أَجَازَ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ الرَّدَّ عَلَيهِ بِمِثْلِ عُدْوَانِهِ ، بِدُونِ تَجَاوُزٍ وَلاَ مُغَالاَةٍ فِي المُجَازَاةِ وَالقِصَاصِ إِذْ أَمَرَهُمُ اللهُ بِالتَّقْوى ، وَذَكَّرهُمْ بِأَنَّهُ مَعَ المُتَّقِينَ .وَبِمَا أَنَّ المُشْرِكِينَ مَنَعُوا الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي شَهْرِ ذِي القِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ سِتٍ لِلْهجْرَةِ ، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ قَدِ انْتَهَكُوا حُرْمَةَ الشَّهْرِ الحَرَام بِالصَّدِّ عَنِ البَيْتِ الحَرَامِ ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقَ مَعَهُمْ ، وَجَازَاهُمْ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ .

الحُرُمَاتُ قِصَاصٌ - أَيْ يَجِبُ مُقَاصَّةُ المُشْرِكِينَ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرَامِ ، وَالحُرُمَاتُ هِيَ مَا تَجِبُ المُحَافَظَةِ عَلَيهِ .

وقد بَذَلَ الأَنْصَارُ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَنُصْرَةِ دِينِهِ ، وَأوَوا المُهَاجِرِينَ وَسَاعَدُوهُمْ ، فَلَمَّا أَعَزَّ اللهُ الإِسْلامَ ، وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ ، قَالَ بَعْضُ الأَنْصَارِ لِبَعْضٍ: لَوْ أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَأَصْلَحُوهَا . فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ . وَفِيها يُبَيِّنُ اللهُ لَهُمْ أَنَّ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ ، وَإِصْلاَحَهَا ، وَتَرْكَ الغَزْوِ وَالجِهَادِ وَالإِنْفَاقِ فِي سَبيل الله . . . فِيهِ التَّهْلُكَةُ . فَعَادُوا إِلى الجِهَادِ ، وَإِلى إِنْفَاقِ أَمْوالِهِمْ فِي سَبيلِ اللهِ ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَتِهِ ، وَفِي وُجُوهِ الطَّاعَاتِ . وَأَخْبَرَ اللهُ المُؤْمِنينَ بِأَنَّ تَرْكَ الجِهَادِ ، وَتَرْكَ الإِنْفَاقِ فِيهِ هَلاَكٌ وَدَمَارٌ لِمَنْ لِزِمَهُ وَاعْتَادَهُ ، فَإِذا بَخِلَ المُؤْمِنُونَ ، وَقَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ رَكِبَهُمْ أًعْدَاؤُهُمْ وَأَذَلُّوهُمْ ، فَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَلْقَوا بِأَيْدِيهِمْ إِلى التَّهْلُكَةِ .

ثُمَّ أَمَرَ اللهُ المُسْلِمِينَ بِأَنْ يُحْسِنُوا كُلَّ أَعْمَالِهِمْ ، وَأَنْ يُجَوِّدٌوهَا ، وَيَدْخُلُ فِي ذلِكَ التَّطَوُعُ بِالإِنْفَاقِ فِي سَبيلِ اللهِ لِنَشْرِ الدَّعْوَةِ .

قال الخطيب:"فالأمر بالقتال في سبيل اللّه قائم ما قامت الحياة. وإذا كان القتال يقوم بين الناس في وجوه كثيرة في سبل غير سبيل اللّه ، فالقتال في سبيل اللّه أوجب القتال وأبرّه ، وأعدله ، وأكرمه ، إذ كان ولا غاية له إلا الانتصار للحق ، والتمكين له .. ثم إذا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت