هذا ، وقد يعمل المجاهد في أكثر من ميدان ، فيجهز المجاهدين بما له ، وينفق في كل ما تحتاج إليه الحرب من سلاح ومتاع ، ثم يكون هو مع المجاهدين في ميدان القتال ، وإنه على قدر العمل يكون الثواب.
وفى قوله تعالى: « وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » تنبيه وتحذير من هذا الشعور الحماسى الذي قد يغلب على المجاهد وهو في ميدان المعركة ، فيتحدى الموت الذي يتخطف النفوس من حوله ، فيندفع متهورا يلقى الموت في غير مبالاة.
والإسلام حريص على أهله ضنين بهم ، فلا يبيع حياتهم إلا بالثمن الكريم الغالي ، ولا يقتضيها هذا البيع إلا حيث تجب التضحية والفداء في سبيل اللّه ، ولا سبيل آخر غير هذا السبيل تقدم فيه النفوس قربانا للّه وفى سبيل اللّه.
وعلى هذا فإن واجبا على المسلم إذ يشرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه ، وإذ يدفع بها في مزدحم المنايا ، أن يتقاضى الثمن المجزى لها ، وأن يأخذ لها حقها الكامل في القتال ، بالنكاية في العدو ، فإن قتل بعدها فقد كتب بدمه الطهور حرفا من حروف النصر للجبهة المقاتل فيها ، وللجماعة المحارب معها.
وفى قوله تعالى: « وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » دعوة إلى الإحسان المطلق ، الإحسان في كل أمر يقوم عليه الإنسان ويؤديه ، للّه أو لنفسه أو للناس .. وعن هذه الدعوة إلى الإحسان المطلق تتجه دعوة خاصة إلى الإحسان في مواطن القتال ، فيقاتل المسلم على بصيرة ، ولا يكن من همّه الأول أن يقتل ويستشهد في سبيل اللّه ، بل أن يكون مقصده النيل من العدو ، والنكاية به ، إذ يقتل فرسانه وشجعانه ، فذلك هو المطلوب أولا ، فإن قتل وهو يسعى لتحقيق هذه الغاية لم يكن مجرد شهيد ، بل كان بطلا يحمل شهادة أعداد من الشهداء." [1] "
وفي تفسير المنار:"وَرَدَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ فِي الْإِذْنِ بِالْقِتَالِ لِلْمُحْرِمِينَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِذَا فُوجِئُوا بِالْقِتَالِ بَغْيًا وَعُدْوَانًا ، فَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا أَتَمَّ الِاتِّصَالِ ; لِأَنَّ الْآيَةَ السَّابِقَةَ بَيَّنَتْ أَنَّ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فِي عِبَادَاتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ عَامَّةً وَفِي الْحَجِّ خَاصَّةً . وَهُوَ فِي أَشْهُرٍ"
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 211)