ولهذا أمر اللّه المسلمين بما أمرهم به من هذا الخير ، بترك القتال في الأشهر الحرم ، ثم حرس هذا الخير من أن يستبد به الأشرار ، ويجنى ثمرته المبطلون ..فهى أشهر حرم لا يبدأ فيها المسلمون بقتال ، فإن بدأهم أحد فيها بقتال فلا حرمة عندئذ لهذه الأشهر الحرم ، التي ما شرعت إلا لخير الإنسان وصيانة دمه ، وأما وقد جعلها العدوّ ظرفا يستبيح به دماءهم ، فصيانة دمائهم والدفاع عنها أكثر قداسة وحرمة من كل حرمة وقداسة .. لزمان أو مكان! هذا ما يقرره قوله تعالى: « الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ » في أي مكان وفى أي زمان « فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » .
وفى قوله تعالى: « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » تذكير للمسلمين بما وصاهم به الإسلام من آداب القتال ، وهى ألا يعتدوا ، فإن اعتدى عليهم ردّوا الاعتداء .. ولكن لما كان عدوان المعتدى باعثا على النقمة منه ، جاء قوله تعالى: « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ » ضابطا لمشاعر الانتقام من العدو المعتدى ، مذكرا المسلمين بالتقوى في هذا الموطن ، فلا يأخذون أكثر من حقهم في تأديب العدوّ ، وكسر شوكته ، فإذا تخلّى المسلمون عن التقوى في هذا الموطن تخلّى عنهم عون اللّه ونصره.
وقوله تعالى: « وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . دعوة إلى البذل في وجوه الحق والخير ، وأولى هذه الوجوه ما كان في الجهاد في سبيل اللّه ، فهذا باب أجزل اللّه فيه الثواب لأهله ، وخصهم بالمزيد من فضله ورضوانه ، ولهذا اقتضت حكمة اللّه سبحانه أن يشارك المجتمع الإسلامى كله في الجهاد ، كل بحسب جهده وقدرته ، وذلك حتى لا يحرم أحد منه هذا الخير الكثير ، بالقليل من الجهد ..
فمن جهز غازيا فقد غزا ، ومن أعان في إعداد أدوات الحرب ، ومئونة الجيش فقد غزا ، ومن قام على خدمة من خلّف المجاهدون وراءهم من أهل وولد ، فهو في المجاهدين .. وهكذا كل عمل يقوّى من جبهة المجاهدين هو من الجهاد المبرور المقبول عند اللّه.